روايات وقصص

قصة زوجي وعزومة اصحابي

أنا من المطبخ كنت سامعة ضحكاته العالية.. ما أخدتش في بالي لغز نظراته المترقبة، ولا نظرات أخت طارق اللي كانت قاعدة على حرف الكرسي وبتبصلي بتوتر غريب كل ما أدخل وأخرج. كنت مشغولة برص السُفرة؛ الأطباق السيراميك، المعالق الفضة، وأطباق السلطات المتقطعة بالمليم. شلت صينية القهوة المغلية بوش مظبوط، وخرجت بخطوات ثابتة وابتسامة محترفة ومرحبة بالضيوف.. لحد ما خطوتي اتجمدت، وعيني وقعت عليها!

قاعدة في نص الكنبة الرئيسية، في مكاني أنا تقريباً، ولابسة طقم شيك وغالي جداً عمري ما شفته عليها، ولابسة كعب عالي ومظبطة شعرها في كوافير راقي! نظرة عينيها كانت مختلفة تماماً عن البنت الغلبانة المكسورة اللي جاتلي الأتيليه من ست أشهر، تدمع وتتمسكن وتترجاني عشان أساعدها وأشغلها معايا في الخياطة والتطريز، ووظيفة تأكل منها عيش بعد ما قاطعت أهلها وظروفها

بس اللي يقطع القلب ويرج الجسم رج.. إنها كانت لابسة الكوليه الذهب الإيطالي نفسه اللي طارق حلف لي على المصحف من شهر إنه ضاع منه في زحمة الشارع وهو رايح للصائغ يغير القفل بتاعه! يومها قالي بوجه مكسور وتمثيلية مقتنة:
“يا سارة الطقم تقيل وقفله صغير وممكن يقع منك في أي حزّة، فقلت أروح أغير القفل وضاع مني في التاكسي!” يومها صدقته من طهارة نيّتي، وطبطبت عليه وواسيته وقُلت له: “الذهب يروح وييجي يا حبيبي، فداك ألف كوليه المهم إنك جنبي وبخير وما جرالكش حاجة.”

أول ما شفت الكوليه بيبرق في رقبتها وتحت إضاءة الصالة، صينية الفناجين اتزحلقت من إيدي ووقعت على السيراميك! صوت الكسر دبح السكوت ورن في أذن الصالة كلها، والقهوة المغلية اتدلقت على السجادة وعلى طرف فستاني!

الوجع ما كانش في وجود مي بس.. الوجع كان في الطريقة اللي قاعدة بيها، في لفة رجلها بثقة، في النظرة اللي بتبصلي بيها بكل حقد وغرور، وفي الثقة اللي كأنها إعلان انتصار رسمي على حطامي في بيتي قدام الناس!

طارق قطّع السكتة والذهول اللي خيم على القاعة، وقام وقف بكل جحود وبصوت هادي، بارد، وخالي من أي نبرة إنسانية أو رحمة:
– «سارة.. أحب أعرفك، دي مي مراتي التانية! والنهاردة الشباب وزمايلي جايين يباركوا بالمرة.. أصلها حامل وفي شهرها الأول.»
لو كان حد مسك آلة حادة وضربني بيها في نص الصالة قدام الناس، كان أهون عليا ألف مرة! الكلمات طلعت من بؤه ببرود يجمّد الدم في العروق؛ لا ارتباك في صوته، ولا خجل في عينيه، ولا حتى نبرة اعتذار بسيطة تستر قلة أصله وندالته.. مجرد إعلان رسمي ومفاجأة قذرة بيكسرني بيها في قلب بيتي وعلي السفرة اللي طافحة فيها الدم من الصبح.

مي كملت المشهد المريض عشان تجهز عليا؛ ضحكت بخفة ودفء مصنع، ولفت رجل على رجل، ولمست الكوليه الذهب اللي في رقبتها بصوابعها وقالت بنبرة تقطر سم وصفاقة:
– «البيت بقى كبير يا سارة.. تعيشي وتجيبي غيره، والبركة في اللي جاي وفي الصغير اللي في بطني! ولازم نتعود نتشارك في كل حاجة من النهاردة!»

الضيوف والزملاء اللي كانوا في الصالة اتخرسوا تماماً، الضحك والمجاملات اتخرطوا فجأة والجو اتكهرب ووقف في الزور.. الناس بقت تنقل عيونها بكسوف وإحراج شديد بيني وبين طارق ومي، ومحدش كان عارف يتحرك ولا ينطق كلمة واحدة، وكأن على رؤوسهم الطير.
الكاتبة نرمين عادل همام

في اللحظة دي بالذات، “سُفرة الخيانة” اتولدت بجد. هما كانوا فاكرين إن الصدمة هتخليني أقع في الأرض، أصرخ، ألطم على وشي، أو أترجاه قدام الناس يستر عليا وما يفضحنيش.. بس اللي حصل جوة قلبي كان العكس تماماً! حسيت بسكون غريب ورهيب نزل على روحي، كأن عقلي قفل باب الوجع والدموع تماماً، وفتح باب الحساب والقصاص البارد.

أصل هما ما يعرفوش الحقيقة! ما يعرفوش إن “سارة” ما كانتش غافلة ولا نايمة على ودانها.. أنا قريت أفكارهم ولعبتهم من أسبوعين كاملين!

بدأت الحكاية لما لاحظت سحوبات مالية غريبة من خزنة الأتيليه، ومواعيد طارق المتأخرة اللي بقى يبررها بـ “اجتماعات المقاولات”. ساعتها ما واجهتش بغشومية.. دخلت مكتب الأتيليه بالليل وراجعت كاميرات المراقبة السرية اللي أنا حطاها بنفسي في السقف، ولما فتحت تسجيلات يوم معين.. شفت الفضيحة!
شفت مي وهي قاعد في مكتبي مع شاب شغال فني في معمل تحاليل جنب الاتليه  بتسلم شنطة فلوس من الخزنة وبتقول له بضحكة خلع:

“ظبط تحليل الحمل الإيجابي باسمي، طارق عبيط ومستني أي قشة يثبت بيها لإخواته إنه بيخلف عشان يكسر عين سارة ويشاركها في الأتيليه!”

يومها ما عيطتش.. التلج غطى قلبي.

ومن اللحظة دي، قررت ألبس ماسك الغباء والطيبة، وأسيبهم يفتكروا إنهم بيلعبوا بيا، وأنا من وراهم بأحفر بئراً غويط أرميهم فيه هما الاثنين في نفس الليلة اللي يختاروها لكسرتي!
رجعت لوعيي في نص الصالة.. بصيت لطارق بثبات يهد جبال، وبعدين لفت عيني لمي، وابتسمت ابتسامة هادية جداً وباردة أربكت طارق وشلّت حركة مي في مكانها وقُلت:
– «مبروك.. بجد مبروك من كل قلبي. بس كان نفسي تستنوا شوية صغيرة قبل المباركة دي، لأن الليلة دي مش بس مباركة على الجوازة والحمل.. الليلة دي كشف حساب كامل وشامل!»

طارق حواجبُه اتعقدت، ومي وقفت ضحكتها ولون وشها بدأ يهرب تدريجياً..
 

أنا ما كنتش مجرد ست بيت بتتخدع وتتساب في الركن تعيط؛ أنا “سارة” اللي شقيت وبنت الأتيليه ده خطوة بخطوة من عرق جبينها، واللي عملت لطارق اسم في السوق، وركبت له عربية، ونضفته وظبطت هيئته قدام الناس لما كان مش لاقي يأكل ولا حيلته ثمن جزمة ينزل بيها يدور على شغل!
بصيت لطارق بثبات يهد جبال، وبعدين لفت عيني لمي، وابتسمت ابتسامة هادية جداً وباردة أربكت طارق في وقفته وشلّت حركة مي في مكانها:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى