
الكلمة خرجت من شفايف أم حسن المرتعشة، بس كان صداها في الأوضة زي دبة زلزال هدت الباقي من حيلهم. فدوى رجعت لورا لحد ما خبطت في الحيطة، حطت إيديها الاتنين على ودنها وهي بتهز راسها بهستيريا وكأنها بترفض تسمع: “لأ.. لأ.. أبويا أنا؟ عم سالم الغلبان اللي بيمشي يبص في الأرض يحط سم للراجل اللي كاسيه ومأكله؟ لأ يا طنط أبوس إيدك قولي إنك متلخبطة.. قولي إن عمي راغب هو اللي عملها!”
حسن كان راكع على الأرض قدام سرير أمه، دموعه بتنزل على خدوده بصمت يخوف. قام ببطء، وبص لفدوى. عينيه كانت فاضية، مفيهاش غضب، مفيهاش قهر، كان فيها انكسار راجل الدنيا كلها اتفقت عليه.
فدوى نزلت على ركبها قدامه، مسكت طرف جلابيته وهي بتشهق من العياط: “يا حسن والله ما أعرف.. والله العظيم ما أعرف.. اضربني، اقتلني وخد تار أبوك مني، بس ماتبصليش البصة دي.. أنا مليش ذنب في اللي عمله، أنا حبيتك انت!”
حسن سحب جلابيته من إيدها بشويش، وراح قعد على الكرسي المكسور، حط راسه بين إيديه وقال بصوت مخنوق: “ذنبي إيه أنا وأبويا يا فدوى؟ راجل فتح بابه للغريب، يتقتل بخيانة؟ وأنا.. أنا اللي بعت لحمي ودمي عشان أسد ديون أبويا اللي طلع مقتول، أكتشف إن مراتي تبقى بنت قاتله؟”
فدوى حطت وشها في الأرض، ودموعها بلت بلاط الأوضة.. حست إن وجودها في حياته بقى لعنة، وإن النحس اللي الناس بتعايرها بيه طلع حقيقة، بس المرة دي دمر أغلى إنسان خاف عليها وحماها.
عدى النهار كأنه سنة. حسن ساب البيت من بعد الفجر ومارجعش، وأمه نامت من التعب. فدوى قامت، غسلت وشها، وبصت لنفسها في المراية المكسورة. عينيها كانت مليانة تصميم. فتحت الدولاب، طلعت الفستان القديم اللي جات بيه، وطلعت ورقة وقلم من درج حسن، وكتبت سطرين بدموعها، وحطتهم جنب راس أمه.
قبل أذان العشا بساعة، في الشونة الضلمة..
راغب السيرافي كان قاعد على كرسي خشب، بيدخن سيجارته، والحراس حواليه. الباب الحديدزيق، ودخلت فدوى لوحدها. العباية السودة لفاها، ووشها باهت بس مرفوع.
راغب ضحك باستهزاء وقال: “أهلاً ببنت الغالي.. فين جوزك السبع؟ هرب وسابك تواجهي مصيرك ولا بعتك عشان يقبض التمن؟”
فدوى مدت إيدها بورقة، وقالت بصوت ثابت رغم كسرتها: “حسن ميعرفش إني هنا. دي ورقة تنازل مني عن كل الأراضي والأملاك اللي باسمي في إسكندرية، مضيت وبصمت عليها. خد ملايينك اللي أبويا هرب بيها، وعيش بيها في نار جهنم. بس في مقابل الورقة دي، ديون حسن كلها تسقط، والورق اللي معاك اللي يثبت براءة أبوه تديهولي.. ولو فكرت تقرب لحسن أو تأذيه، هقتل نفسي، وساعتها مش هتعرف تبيع شبر واحد من الأرض دي طول ما أنا ميتة والورث متوقف في المحاكم.”
راغب قام، شد الورقة من إيدها، وبص فيها وابتسم بطمع: “عين العقل يا بنت أخويا.. بس انتي فاكرة إني هسيبك ترجعيله؟ انتي هتيجي معايا غصب عنك، والواد ده أنا كدة كدة هعصره لحد ما.. ”
”لحد ما إيه يا راغب بيه؟”
الصوت شق سكون الشونة. حسن ظهر من الضلمة، بس مكنش لوحده. كان لابس قميص وبنطلون نضاف، وواقف بهيبة أبوه زمان.
-
قصة شقة جوزي الجزء الأولمنذ 22 ساعة
-
قصة سلفتي وجوزيمنذ يومين
-
قصة يقال أنها وقعت قبل 50 عاممنذ 5 أيام
-
قصة لعبة حماتيمنذ 6 أيام







