عندما خرجت من دار الأيتام أخبروني أنني ورثت كهفا لا قيمة له لكن ما وجدته في داخله غير حياتي إلى الأبد.
كنت طفلا حين سلبتني الدولة كل شيء وصرت رجلا حين أعادت إلي ورقة واحدة ومفتاحا لمكان لم يكن أحد يرغب فيه. قالوا إنني ورثت كهفا عديم الفائدة غير أن ما اكتشفته في أعماقه أعاد تعريف معنى البيت والعائلة والوزن الحقيقي للإرث.
إن كنت يوما قد شعرت أنك تبدأ من الصفر بلا شيء سوى الملابس التي ترتديها وقصة لا يريد أحد سماعها فهذه الحكاية لك.
كان يوم بلوغي الثامنة عشرة هو اليوم الذي توقفت فيه عن أن أكون مشكلة لولاية خاليسكو. لم تكن هناك كعكة ولا احتفال بل صندوق كرتوني يضم بنطالين من الجينز وبعض القمصان وشهادة ميلادي وبطاقة تعريف شعرت أنها بالكاد تخصني.
على مدى اثني عشر عاما كنت ملفا رقما داخل نظام صمم ليقدم حلولا مؤقتة تتحول كثيرا إلى دائمة. ثم بتوقيع وثيقة لم يسمح لي حتى بقراءتها أصبحت حرا. لم أشعر بالحرية شعرت كما لو أنني دفعت من سيارة تسير بأقصى سرعتها.
كانت الأستاذة زونيغا الأخصائية الاجتماعية التي تابعت حالتي في العامين الأخيرين هي من أنهت إجراءات خروجي. كان وجهها يحمل ملامح تعاطف متعب ذلك التعبير الذي يبدو كزي رسمي لكل من يعمل في هذا النظام. جلست قبالتي في مكتب بلون باهت تفوح منه رائحة قهوة قديمة ومطهر. بيننا رزمة أوراق وجدار هش يفصل ماضي عن مستقبلي.
قالت وهي تنقر بإصبعها على أول ورقة
حسنا يا ليوناردو هذا كل شيء. رسميا أصبحت بالغا. مبروك على ما أظن.
كان جفاف الدعابة كافيا لإشعال نار. اكتفيت بهز رأسي ويداي مشبوكتان في حجري حتى
لا يظهر ارتجافهما. حياتي كلها كانت داخل ذلك الصندوق عند قدمي ولم تبد كافية لبناء حياة كاملة.
تابعت وهي تدفع نحوي ظرفا سميكا بلون بني
والآن علينا أن نتحدث عن إرثك.
رمشت بدهشة.
إرثي
نعم إرثك كررت بهدوء مشوب بالتوتر من جدك أرتورو فارغاس. ظل تحت وصاية الدولة منذ وفاته قبل أحد عشر عاما. وبما أنك كنت قاصرا دون وصي قانوني بقي محفوظا حتى تبلغ سن الرشد.
توقف الهواء في صدري.
جدي.
كان ذكرى ضبابية وجه مجعد طيب رائحة خشب وتبغ يدان قويتان تصلحان كل شيء. حاول أن يحتفظ بي حين مات والدي لكن للدولة أسبابها سن متقدم دخل منخفض منزل غير مناسب. لم يستوف الشروط.
لم أعرف عنه شيئا بعد ذلك. ظننت أنه مات دون أن يترك شيئا.
هل ترك لي شيئا خرج صوتي بالكاد مسموعا.
نظرت إلي الأستاذة زونيغا بتلك النظرة المتعاطفة مرة أخرى.
يا ليوناردو عليك أن تضبط توقعاتك. ليست ثروة. إنها قطعة أرض.
دفعت الظرف نحوي. كان اسمي مكتوبا عليه ليوناردو فارغاس. بدا رسميا ومهما.
فتحته بيدين مرتجفتين. في الداخل صك قديم ومفتاح صدئ.
تحدث الصك عن خمسة هكتارات في جبال دورانغو على بعد كيلومترات من أي مدينة كبرى. وفي وصف الأرض بين قوسين قرأت تشمل تكوينا طبيعيا لكهف.
كهف.
قالت الأستاذة بلطف
إنها أرض في وسط العدم. تقييم البلدية يقول إنها تكاد لا تساوي شيئا. أرض صخرية لا تصلح للزراعة ولا للبناء. هناك كوخ قديم ربما مهجور. أما الكهف فهو مجرد حفرة في الأرض. رسميا يعد بلا قيمة.
بلا قيمة.
سقطت الكلمة في صدري كحجر. كهف عديم الفائدة. ملكية منسية. إرثي.
شعرت بحرقة مرة. أهذا كل شيء حفرة في الأرض
أهذه كانت آخر ذكراه لي
أضافت وهي تخرج وثيقة أخرى
هناك عرض شراء قائم من شركة تطوير تدعى كوربوراتيفو تيتان. يشترون أراضي كثيرة في تلك المنطقة. يعرضون مئة ألف بيزو.
نظرت إلي مباشرة.
ليوناردو أنصحك بقبوله. ليس مبلغا ضخما لكنه بداية. يمكنك استئجار غرفة شراء طعام والبدء من جديد.
مئة ألف بيزو. بدت ككنز مال لم أملكه قط. تذكرة إلى حياة أخرى. بيع الأرض التي لا قيمة لها وأخذ المال ونسيان الجد وكهفه. كان ذلك منطقيا.
إذا كانت لا تساوي شيئا فلماذا يريدونها سألت.
تنهدت.
هكذا تعمل الشركات. يشترون بثمن بخس وينتظرون عقودا. ربما يبحثون عن حقوق معدنية أو ممر إلى أراض أخرى. لا أعلم. المهم أنهم يعرضون عليك مخرجا.
نظرت إلى المفتاح في يدي. كان قديما ثقيلا يكاد يبدو سحريا. مفتاح مكان لم أره قط. مكان لي. مكان يعتبره الجميع عديم الفائدة. مكان منسي مثلي.
كان المفتاح يثقل في كفي كأنه لا يزن معدنا فحسب بل يزن أعواما كاملة من الصمت. كنت أقلبه بين أصابعي فأشعر بخشونته كأنها بقايا يد قديمة حاولت أن تترك أثرها في هذا العالم قبل أن تمحى. لم يكن لدي في تلك الليلة سقف أعود إليه ولا سرير ولا عنوان أكتبه في أي استمارة. كان لدي صندوق كرتوني وورقة ملكية ومفتاح وهذا وحده كان كافيا ليجعل قلبي يرفض النوم.
جلست على مقعد إسمنتي أمام محطة الحافلات في غوادالاخارا والهواء يلسع وجهي برائحة العوادم والقمامة الرطبة وبقايا طعام أكله عابرون وتركوه قبل دقائق. كانت الحركة لا تهدأ. أصوات الحقائب صفير الحراس نداءات السائقين ضحكات سريعة تخرج من أفواه من يملكون وجهة. وأنا كنت
أملك وجهة أخيرا لكنني لا أعرف إن كانت وجهة ستحتويني أم ستبتلعني.
وضعت الصندوق عند قدمي وفتحت الظرف مرة أخرى. قرأت الأرقام ببطء كأنني أخشى أن تتغير مئة ألف بيزو. مبلغ يستطيع أن يصنع حياة لشخص مثلي أو يشتري له هدنة قصيرة ثم يعيده إلى الشارع. خمسة هكتارات في جبال دورانغو. كوخ قديم. وكهف.
ضحكت في داخلي ضحكة لم تخرج صوتا. كهف كأن الدولة تريد أن تقول لي هاك مكانا يليق بمن عاش عمره داخل جدران لا تشبه البيوت.
ومع ذلك كان هناك شيء في تلك الفكرة يشبهني. شيء وحيد منسي لا يريده أحد ثم يقولون عنه لا قيمة له. لقد قالوا هذا عني طوال اثني عشر عاما بطرق مختلفة أحيانا بنظرة لا تطيل الوقوف وأحيانا بعبارة تقال في الممر هذا الولد صعب هذا الولد ليس له أحد هذا الولد. وكأنني لم أكن ولدا بل مشكلة تحل بإبعادها.
أمسكت المفتاح بقوة حتى آلمتني راحة يدي ثم أرخيت أصابعي. لو قبلت المال سأكون مثل كل مرة أجبر فيها على الاختيار بين جوع حاضر وحلم لا يعرف إن كان حقيقيا. كنت أعرف الجوع. أعرفه جيدا. أعرف كيف يعلمك أن تقلص أمنياتك حتى تصبح بحجم لقمة. لكنني لسبب لا أعرفه لم أستطع أن أبيع الشيء الوحيد الذي تركه لي شخص حاول أن يحتفظ بي يوما ولم يسمح له.
لم يكن الأمر عن الأرض فحسب. كان عن أن أحدا في هذا العالم قال لي مرة أنت تستحق أن يكون لك مكان.
حين اقترب الفجر كان جسدي متعبا لكن رأسي صار أكثر وضوحا. نهضت حملت صندوقي ووقفت في الطابور لشراء تذكرة إلى دورانغو. لم أوقع على بيع الأرض. لم أوقع على أن أعود إلى الحياة التي يريدونها لي غرفة ضيقة عمل بأي شيء ثم اختفاء
صامت.
كنت ذاهبا لأرى إرثي حتى لو كان لا يساوي
-
قصة فرامل عربيتي 1 من حكايات زهرةمنذ 5 أيام
-
قصة فرامل عربيتي الجزء ال 3 والأخيرمنذ 5 أيام
-
قصة كنت بدفع إيجار جزء 1منذ أسبوعين
-
قصة رد فعل زوجي بعد رفضي إعطاء أخته بطاقة راتبيمنذ أسبوعين






