Uncategorized

قصة فرامل عربيتي 1 من حكايات زهرة

جوزي لعب في فرامل عربيتي من ورايا ​، وتاني يوم الصبح بكل ذوق اديت مفتاح العربية لحمايا، وقولت له ياخد حماتي ويطلعوا يتفسحوا بيها ويغيروا جو.
​”منة؟”
​صوت شريف جالي من ورايا.
​لفيت راسي، لقيته واقف على باب المطبخ، لابس البيجامة الرمادي الخفيفة، شعره منكش شوية، وعينيه لسه فيها النوم.
​شبه كل يوم الصبح عادي جداً.
​قرب مني من ضهري، وحضن وسطي وحط دقنه على كتفي.
​”صباح الخير يا حبيبتي.”
​ميلت راسي وسيبته يبوس خدي برقة.
​”القهوة خلاص جهزت، والفطار ثواني ويكون عندك.”ميلت راسي وسيبته يبوس خدي برقة.
​”القهوة خلاص جهزت، والفطار ثواني ويكون عندك.”
​”يا سلام على الريحة الحلوة.”
​شريف خد نفس عميق وسابني، وراح قعد على السفرة.
​”أنا عندي اجتماع مهم الصبح بدري النهاردة، ولازم أنزل قوام.”
​شريف خد الطبق ومسك .
​”آه صحيح، عربيتك عاملة إيه الأيام دي؟ ماشية تمام مفيهاش ؟”
​إيدي وهي ماسكة فنجان القهوة وقفت في الهواء لثانية، بس بسرعة رجعت لطبيعتها.
​”زي الفل، خير

في حاجة؟”
​”لا مفيش، بسأل عادي اصلي امبارح جبت فني من التوكيل شيك عليها وقالي ان فيها مشاكل كتير…انتي ازاي مش بتاخدي بالك .”
​”الجو اليومين دول زفت والتراب مالي البلد، والعربيات بتعطل من أقل حاجة.
استغربت شوسهوقلتله…انت جبت فني هنا شوف العربيه…غريبه مشفتهوش

رد بلا مبالاه وهدوء…اصل انتي كنتي عند اهلي ومحبتش ازعجك…وسلامتك اهم حاجه عندي

ابتسمت بهدوء ةقولت….تعبت نفسك يا حبيبي ​”انا كنت هروح يوم الجمعة التوكيل.”
​”تعب إيه يا بنتي! هو انا عندي اهم منك.”
​شريف رفع راسه وابتسم لي.
​”أنتِ بتطحني في الشغل طول الأسبوع، سيبيالحاجات دي عليا. وبعدين العربية دي معاكي بقالها تلات سنين، ولازم تشييك كامل عليها.. الفرامل، الكاوتش، الحاجات دي مفيهاش هزار، الأمان أولاً يا منة.”
​ابتسامته كانت دافية، وعينيه كلها خوف واهتمام.
​تلات سنين جواز، وطول عمره الزوج المثالي اللي مفيش منه اتنين.
​جنتل، حنين،

وبيشيلني من على الأرض شيل.
​صاحباتي كلهم كانوا ويقولوا لي “يا بختك يا منة، وقعتي واقفة وجوزك بيعشق تراب رجليكي”.
​وفي وقت من الأوقات، أنا نفسي كنت مصدقة الكلام ده.
​”ماشي، تمام.”
​نزلت عيني وبدأت أقلب في طبق السلطة بالشوكة.
​”تسلم لي يا شريف.”
​”يا ستي مفيش بينا الكلام ده، إحنا واحد.”
​شريف خلص آخر لقمة، وقام أخد الكوباية الفاضية وحطها في الحوض.
​”غالباً هأخر بالليل شوية، عندنا تسليم مشروع في الشركة وهنقعد وقت إضافي. متستنينيش، نامي أنتِ.”
​”حاضر.”
​رديت باختصار.
​بعد ما غسل الكوباية ونشف إيده، قرب مني ووطى باس دماغي.
​”أنا ماشي بقا، أشوفك بالليل.”
​”طريق السلامة، سوق بالراحة.”
​الباب اتفتح واتقفل.صوت خطواته في الممر بره بدأ يبعد، لحد ما اختفى تماماً.
قومت ألم السفرة.
​حطيت الأطباق في الحوض.
​فتحت الحنفية والمية الدافية بدأت تنزل وتغرق صوابعي.
​كنت باصة للمية وهي بتجري، بس دماغي كانت بتجري فيها شريط ذكريات ملخبط.
​بقاله تلات شهور شريف قصة “الشغل الإضافي” دي زادت عن حدها.
​تليفونه مبقاش يفارق إيده ثانية، لدرجة إنه بيدخل بيه الحمام.
​كام مرة أصحي في نص الليل، ألاقي السرير فاضي جنبي.
​وألمح نور خفيف جاي من تحت عقب باب الأوضة التانية (المكتب).
​لما كنت بسأله، كان بيقول لي “ضغط الشغل هيموتني وعندي أرق مش عارف أنام”.
​​ده غير المكالمات.
​كل ما تليفونه يرن، يطلع يجري على البلكونة، ويتكلم بصوت واطي ومكتوم كأنه بيوشوش حد.
​مرة كنت معدية بكوباية مية، راح قفل السكة بسرعة ولف وقال لي وهو بيضحك:ده عميل غلس، فصيله وزهقني.”
​بس ضحكته ساعتها كانت
ومصطنعة أوي.
​هو أنا اللي بقيت شكاكة وزيادة عن اللزوم؟
​قفلت الحنفية، وأخدت الفوطة أنشف إيدي.
​في اللحظة دي، التليفون اتهز في جيبي.
​كانت رسالة على الواتساب من حماتي، طنط هدى.
​”منة يا حبيبتي، عمك مصطفى من امبارح عمال يزن عاوزنا
نطلع رحلة تبع المعاشات للفيوم . عمال يبرطم طول الليل، أقوله يا راجل استنى لما الجو يتحسن شويع وهو قفش وزعل.. كل ما بيكبر بيبقى شبه العيال الصغيرة.”
​وفي آخر الرسالة إيموجي بيضحك ومكسوف.
​شفايفي اترسمت عليها ابتسامة من غير ما أحس.
​حمايا وحماتي دول أطيب ناس في الدنيا.
​عم مصطفى قبل ما يخرج على
كان أسطى وخريج مدرسة الصنايع، راجل دغري وميعرفش اللف والدوران، وعاش عمره كله لبيته وعياله.
​وطنط هدى ست طيبة وفي حالها، وبتعاملني كأني بنتها اللي مخلفتهاش وأكتر.
​من يوم ما طلعوا على المعاش، وحلمهم الوحيد يلفوا مصر بالعربية ويتفسحوا.
​بس عربيتهم القديمة بقت بتسخن ومبقتش حمل سفر وطرق مفتوحة ومش عايزين ياخدو عربية ابنهم لانه بيحتاجها كل شويه في شغله.
​ياما قولت لهم “يا عم مصطفى خد عربيتي كبيره مريحة وواسعة في السفر”.
​بس حمايا كان دايماً يرفض بعزة نفس ويقول لي “يا بنتي دي عربيتك ، منحبش نبهدلها معانا”.
​مسكت التليفون وكتبت لها:طنط لو عمو عاوز يسافر، المفتاح والعربية تحت أمركم في أي وقت.”
​”أنا كدة كدة بستخدمها بسيط خالص، وفي الويك إند مبروحش بيها حتة. خدوها بدل ما هي مركونة تحت البيت والتراب بياكلها.”
​الرسالة مفيش ثانية والرد جه:
​”يا حبيبتي تسلمي، كلام إيه ده

بس! العربية ، وإحنا مش هنتبغدد بيها. وبعدين هتروحي شغلك إزاي؟”
​بصيت للشاشة كام ثانية، و صوابعي كتبت بسرعة:
​”يا ستي أنا بركب المترو وبكون في الشركة في ربع ساعة، أسرع من زحمة المحور والعربية مائة مرة. قولي لعمو يتوكل على الله ويجهز الشنط، واطلعوا اتبسطوا قوام.”
​ودست إرسال، وأنا ببتسم
تاني يوم كان شريف جوزي وصل اخر اللليل ومشي بدري الصبح قبل ما يصحيني
قومت من النوم وكنت هتصل بيه بس سمعت صوت خبط هلى الباب
روحت فتحت كانو حمايا وحماتي ومعاهم شنط سفرهم
حمايا ابتسم وقال..معلش لو هنتعبكضحكتوانا بديله مفتاح العربيه وقولت…المهم تتبسطو وصور كتير بقى
حمايا اخد المفتاح بفرحه زي الاطفال وقال…ده انا هبعتلك صوره كل ثانيه
حماتي ضحكت وقالت ..مفيش فايده فيه
وحضنتني وهيه بتشكرني من قلبها
اول ما خرجو من عندي مسكت التليفون واتصلت بشريف
بعد دقايق رد وقال بلهفه…ها يا روحي نزلتي شغلك اخبار العربيه ايه معاك
استغربت سؤاله واللهفه اللي في صوته وقالولت..لا يا حبيبي انا هنزل بالمترو النهارده ..العربيه اخدوها باباك ومامتك هيلفو بيها ويشوفو الدنيا
شريف اتجمد، وحتى صوت نفسه
، واللي حصل بعدها عمري ما …
​السكوت اللي ساد في الخط كان ، سكوت مش طبيعي، لدرجة إني شيلت الموبايل من على ودني وبصيت في الشاشة ألتأكد لو الخط قطع ولا لسه مفتوح. لقيت العداد بيعد ثواني عادي جداً. رجعت الموبايل لودني ونديت عليه بقلق:
“شريف؟ شريف أنت معايا؟ الخط قطع ولا إيه؟”
​وفجأة، سمعت صرخة مكتومة طالعة من أعماق قلبه، صرخة هزت سماعة التليفون ونفضت كياني كله. صوت شريف مبقاش هو الصوت الحنين الناعم اللي أعرفه، بقى صوت ، وضايع تماماً.

“أبويا وأمي؟! أخدوا العربية؟! أخدوها إزاي يا منة؟ أنتِ بتقولي إيه؟! قولي إنك بتهزري.. أرجوكياستغربت جداً من نبرة الهلع المبالغ فيها دي، وجسمي بدأ يقشعر من غير ما أفهم السبب. عليه بنبرة هادية وبأحاول أستوعب:
“أهزر في إيه يا شريف؟ هما لسه نازلين من عندي من دقيقتين بالظبط، وفرحانين جداً وشنطهم معاهم. أنا قولت حرام عمو مصطفى كان نفسه

يفسح طنط هدى، وعربيتي وواسعة وهتشيلهم في طريق الفيوم. في إيه يا حبيبي لكل الخوف ده؟ ما هما ياما سافروا، وبعدين أنت مش قايل لي إنك جبت فني من التوكيل امبارح وشيك عليها؟ يعني العربية آمنة وزي الفلالفرامل يا منة!!! الفرامل!!!”
شريف صرخ بالكلمة دي وهو بيبكي بنشيج حاد، صوت عياطه كان هيريسيري، كأنه طفل صغير بيضيع منه كل حاجة.
“الفرامل مقطوعة! العربية مفيهاش فرامل يا منة! أبويا وأمي .. أنا السبب.. أنا اللي عملت كده!”

​في اللحظة دي، الدنيا لفت بيا. المطبخ، الحيطة، السقف، كل حاجة حواليا بدأت تدور بسرعة جنونية. الكلمات نزلت على وداني زي الصواعق المتتالية. دماغى عجزت عن الترجمة.
“الفرامل مقطوعة؟ وأنت اللي عملت كده؟ يعني إيه؟ شريف أنت بتقول إيه؟!”
​صوته جالي من بين العالي، ومبقاش قادر يخبي خطيئته بعد ما ا وجت في أعز ما يملك:
“أنا اللي بوظت الفرامل بايدي امبارح بالليل يا منة.. أنا اللي قاطعلها الخرطوم ومصفي الزيت.. كنت فاكر إنك أنتِ اللي هتركبيها الصبح وتنزلي بيها المحور.. كنت عايز أخلص منك عشان.. عشان أتجوز ريهامونصيبك في الشركة والبيت يرجعوا لي.. أنا أسف.. أنا غبي.. اطلحي وراهم يا منة الحقيهم! أبويا لو مسك طريق المحور ونزل النزلة مش هيعرف يقف! يا منة.. هيموتوا بسببي!”
​الموبايل وقع من إيدي على الأرض. الشاشة اشرخت، وصوت شريف العالي الباكي بقى طالع من السبيكر
وهو بيصرخ: “منة! ردّي عليا! الحقيهم يا منة!”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى