Uncategorized

قصة فرامل عربيتي الجزء ال 3 والأخير

رديت عليه وأنا بنهج وأبكي: “عايز إيه تاني؟! عايز إيه يا ؟! أهلك دلوقتي بسببك!”
​شريف كان صوته رايح خالص من العياط: “منة.. أنا سايق وعمى على المحور بدور عليهم.. وصلتي لحاجة؟ ردوا عليكي؟”
“قفلوا الخط والعربية كانت بتجري بيهم.. اتمنا من ربنا إنهم يعيشوا، عشان تعيش طول عمرك حاسس بالذنب إنك قتلت أمك وأبوك عشان طمعك وقذارتك!” وقفت السكة في وشه.
​بعد حوالي عشر دقائق من السير الجنوني على المحور، بدأت حركة المرور تقف، والعربيات بدأت تهدي وتعمل صفوف. السواق قال لي: “شكل في حادثة قدام يا مدام، السكة وقفت خالص.”
قلبي في رجلي. فتحت باب التاكسي ونزلت أجري على رجلي بين العربيات الواقفة. كنت بجري والنهجان بيقطع صدري، لحد ما وصلت لمنطقة النزلة، ولقيت تجمع كبير من الناس، وعربيات إسعاف، والشرطة قفلت المكان.
​زقيت الناس بكل قوتي وأنا
: “أبويا وأمي جوه! سيبوني أعدي!”
لما وصلت للخط الأمامي، شفت المنظر اللي خلى ركبي وأقع على الأرض.
​عربيتي السودا كانت خابطة في الرصيف الخرساني الكبير، والوش بتاعها مدمر تماماً، والتدخين طالع من الموتور. بس الحمد لله، الكابينة مكنتش معجونة بالكامل لأن حمايا واضح إنه استخدم خبرته القديمة وحك العربية في السور الخرساني عشان

سرعتها قبل ما تصطدم بالكامل.
​جريت على عساكر الإسعاف وهما شايلين اتنين على النقالات. بصيت على الوشوش.. كانت طنط هدى وعمو مصطفى. وشوشهم مليانة جروح ودم، وعمو مصطفى كان غايب عن الوعي، بس طنط هدى كانت بتفتح عينيها ببطء وبتتأوه

من الألم.من الألم.
المسعف زعق فيا: “أنتِ تقربيلهم يا مدام؟”
قلتله وأنا بنهار: “أنا بنتهم.. هما عايشين؟ طمنّي أرجوك!”
المسعف قال بسرعة وهو بيزق النقال جوه العربية: “النبض شغال، في كسور واشتباه في ارتجاج، بس الحمد لله لحقناهم قبل ما العربية تنفجر أو تتقلب من فوق المحور.. اركبي معانا بسرعة على المستشفى.”

​في اللحظة دي، شفت عربية شريف بتهدي على الجانب التاني من الطريق، ونزل منها زي المجنون. كان شعره منكش، ووشه أصفر زي الليمونة، وعينيه مرعوبة. أول ما شاف عربيات الإسعاف وشافني واقفة، جرى عليا وهو بيصرخ: “أبويا! أمي!”
​لكن قبل ما يوصل للنقالات، أنا وقفت في وشه. بصيت له بنظرة عمري ما بصيت له بيها قبل كده.. نظرة كلها قرف واشمئزاز وكره. شريف حاول يمسك إيدي وهو بيبكي: “منة.. هما كويسين؟ قولي لي إنهم عايشين!”
​شلت إيدي منه بقوة وضربته بقلم نزل على وشه بكل غلي وقهري، القلم سمع في المكان كله.
“متلمسنيش يا قذر! متجيبش سيرتهممش ابنهم.. أنت شيطان!”
​شريف اتصدم وبص لي بضعف وانكسار وهو مش قادر يتكلم، والناس والشرطة بدأوا يتلموا حوالينا مستغربين من رد فعلي. في اللحظة دي، قرب مننا ضابط المباحث اللي كان بيعاين الحادثة وسألني: “في إيه يا مدام؟ مين ده؟ وإيه اللي حصل بالظبط؟”
​بصيت لشريف، ولقيت عينيه بترجوني إني مسألوش، كانت نظرة خوف من الفضيحة والسجن. بس أنا مكنش في قلبي أي رحمة ليه. الراجل ده كان عايز يموّتني، وبسببه كان أعز الناس ليا هيروحوا ضحية.
​شاورت عليه بصباعي ودموعي بتنزل، وقولت للضابط بصوت قوي وواضح سمعه كل الواقفين:
“يا فندم.. البني آدم ده يبقى جوزي.. وهو اللي دبر

دي! الراجل ده بوظ فرامل عربيتي وقص الخراطيم امبارح بالليل عشان يقتلني أنا ويخلص مني.. بس ربنا أراد إن والده ووالدته هما اللي ياخدوا العربية من غير ما يعرف، ووقع في شرالملامح على وش الضابط اتحولت للجدية التامة، وبص لشريف اللي كان واقف زي الصنم، مش قادر ينطق بكلمة، ورجليه مكنتش شايلاه لدرجة إنه قعد على ركبه على الأرض وبدأ يبكي بهستيريا وهو بيقول: “مكنتش أقصدهم.. مكنتش عايز أموتهم هما.. أنا أسف يا أمي.. أنا أسف يا أبويا..”
​الضابط أشار للعساكر: “هاتوه وخدوا العربية دي على الورشة الفنية فوراً عشان تترفع البصمات ويتعاين خزان الفرامل!”
​العساكر كلبشوا إيد شريف وهو منهار تماماً، وبص لي نظرة أخيرة كلها ندم وضياع، بس أنا درت وشي عنه وركبت عربية الإسعاف جنب طنط هدى وعمو مصطفى، وسبته يواجه مصيره الأسود اللي حفرة بإيده.مرت الأيام والأسابيع..
عمو مصطفى وطنط هدى قعدوا في العناية المركزة لفترة، وبعدها اتنقلوا لأوضة عادية. ربنا كتب لهم عمر جديد، والكسور بدأت تلم بالتدريج. الصدمة الكبيرة ليهم مكنتش من الحادثة ولا الوجع الجسدي، الصدمة كانت لما عرفوا الحقيقة.. الحقيقة الصعبة إن ابنهم الوحيد، اللي ربوه، كان هو السبب في اللي حصل لهم، وإن طمعه وشيطانه عموا عينه عن الحق.
​أنا مسبتهمش ولا ثانية في ، كنت قاعدة تحت رجليهم، بأكلهم وبساعدهم، وهما كانوا بيبصوا لي والدموع في عينيهم،

تجاهي، وعمو مصطفى كان دايماً يمسك إيدي ويقول لي: “سامحينا يا بنتي.. إحنا معرفناش نربي.. حقك علينا.”عمو أنت وتيتة هدى ملكمش ذنب، شريف اختار طريقه، وربنا نجاكم عشان أنتم طيبين وتستاهلوا كل خير.”
​أما بالنسبة لشريف، التقرير الفني للمرور أثبت فعلاً إن خراطيم الفرامل مقطوعة بآلة حادة بفعل فاعل، والشرطة لقت الأدوات المستعملة في شنطة عربية شريف التانية وعليها بصماته، بالإضافة لتسجيل المكالمة اللي دارت بيني وبينه واللي اعترف فيها بكل حاجة وهو مرعوب. وكمان ريهام، البنت اللي كان عايز يتجوزها، أول ما عرفت باللي حصل ووقوعه في القضية، اختفت تماماً وقامت بحظره من كل مكان، لتثبت له إنها مكنتش عايزة غير فلوسه وبس.سبق الإصرار والترصد. وفي يوم النطق بالحكم، أنا مروحتش، بس عرفت إنه كان واقف في القفص لوحده، مفيش حد معاه، لا زوجة، ولا أب، ولا أم، ولا عشيقة. خسِر كل حاجة في لحظة طمع.
​أنا رفعت قضية طلاق للضرر وأخدت حقوقي بالكامل، ورجعت لشغلي وحياتي. بس المرة دي، وأنا معايا عيلة جديدة.. عم مصطفى وطنط هدى اللي صمموا إني أفضل عايشة معاهم وبقيت أنا بنتهم الحقيقية اللي بتراعي شيبتهم، وبقوا هما الأمان والسند ليا في الدنيا.
​علمتني التجربة دي إن صفاء النية دايماً بيقود صاحبه لبر الأمان، وإن اللي بيحفر حفرة لأخوه (أو لمراته) بيقع فيها، ولو بعد حين. ربنا سبحانه وتعالى مبيرضاش
بالظلم، ويمهل ولا يهمل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى