روايات وقصص

قصة بعد نصف ساعة من إقلاع الطيارة الجزء الثاني

كابتن! فعل بروتوكول 404 فورًا! تحويل خط الطوارئ إلى الدكتور طارق، وإغلاق المقصورة الرئيسية!

بمجرد نطق الكلمة عبر المكبر، أضاءت لمبات التحذير الحمراء في أعلى سقف الطائرة، وانطلق صوت صفارة تنبيه جافة.

في هذه اللحظة، ظهر التوتر الحقيقي على وجه دينا وشريف. صرخت دينا:

— إنت بتعمل إيه يا صلاح؟! الكابتن قال هنهبط!

رد صلاح بنبرة حازمة وهو يقف حائلًا بينهما وبيني:

— بروتوكول 404 بيغطي حالات التهديد الأمني والمؤامرات المباشرة على متن رحلات الطيران الدولية. الطائرة مش هتهبط في المطار القريب يا دينا.. المطار اللي طلبتوه تم إلغاء الهبوط فيه، وإحنا متوجهين حاليًا لمطار العاصمة تحت حراسة مشددة.

ارتبكت ندى وصرخت في شريف:

— شريف! الخطة باظت! قلتلك الدكتورة دي مش سهلة!

سحب شريف يده من جيبه، وحاول الاندفاع نحو باب الطوارئ أو السيطرة على صلاح، لكن اثنين من ركاب الدرجة الاقتصادية — أحدهما ضابط شرطة سابق كان يراقب الموقف بشك منذ البداية — قفزا عليه وضبطا حركته وثبتوه على أرضية الممر بالكامل، بينما امسكت إحدى المضيفات بـ “ندى” التي كانت تصرخ وتتخبط.

أما دينا، فقد حاولت التراجع للخلف بسرعة للوصول إلى حقيبة يدها، لكنني أسرعت ووقفت في طريقها، ونظرت في عينيها قائلة:

— مفتاح غرفة الأمتعة مش معاكي يا دينا.. المفتاح معايا.

سقطت دينا على ركبتيها وحسبت انفاسها بصعوبة، بعد أن أدركت أن كل خطوط لعبتها قد انهدمت تمامًا.

أخذ صلاح جهاز اللاسلكي ومرره إليّ قائلاً:

— دكتورة ليلى.. الدكتور طارق على الخط معاكي.

رفعت السماعة إلى أذني، وجاءني صوت دافئ وآمن أعرفه جيدًا منذ سنوات الدراسة في كلية الطب، صوت طارق الذي لم أره منذ أعوام:

“ليلى.. قاطعتك الرسائل عشان أنقذك في آخر لحظة. شريف وندى ودينا شبكة ابتزاز وتأجير قضايا، وكانوا دافعين للشرطة المحلية في المطار الفرعي عشان يقبضوا عليكِ بتهمة تهريب مواد مخدرة حطوها في شنطتك السفلية عن طريق دينا قبل الإقلاع.”

تنقست الصعداء وقلت بنبرة ارتكاف:

— طارق!.. الشنطة فيها إيه؟ وإزاي عرفت كل ده؟

رد طارق بسرعة:

“دينا بدلت البادج وحطت مخدرات في شنطتك تحت اسمك عشان تتقفلي بالقضية دي لو رفضتي ترفعي القضية أو تدفعي المليونين جنيه. بس أنا كنت بقدم بلاغ ضد الشبكة دي من أسبوعين وكنت بتتبع خط سيرهم. أول ما عرفت إنهم معاكي على نفس الرحلة، كان لازم أتواصل معاكي فورًا عبر السيرفر الداخلي للطائرة.”

أكمل طارق بنبرة جادة للغاية:

“ليلى.. المهمة لسه مخلصتش. الشنطة المزوّرة اللي تحت في الشحن فيها حرز سري، ولازم أول ما الطيارة تهبط في مطار العاصمة تتسلم للنيابة العسكرية فورًا، لكن فيه شخص رابع معاكم على الطيارة.. شخص إنتِ متوقعتيش وجوده خالص، وهو اللي حرك كل اللعبة دي من الأول عشان ينتقم منك!”

توقفت أنفاسي، ونظرت حول المقصورة الممتلئة بالركاب الذين كانوا يتابعون المشهد في ذهول وصمت تام.

سألت بصوت خافت جداً:

— شخص رابع؟ مين يا طارق؟!

جاء رد طارق الأخير قبل أن يتقطع الاتصال بفعل التشويش:

【بصي في الصف الأول في البيزنس كلاس.. الراكب اللي قاعد في الكرسي 1A ومغمض عينه وبيشرب قهوة ببرود من أول الرحلة…】

ودون تفكير، التفتُّ ببطء شديد ونظرت نحو بداية درجة رجال الأعمال..

نحو المقعد 1A.

جلس هناك رجل في الأربعينات من عمره، يرتدي بذلة داكنة، يضع قدمًا فوق الأخرى، ويمسك بفنجان القهوة بثبات تام. وعندما شعر بنظراتي توقفت عليه، أنزل الفنجان ببطء، ورفع رأسه ونظر إليّ مباشرة..

وابتسم ابتسامة خفيفة مرعبة جعلت فرائصي ترتعد!

اتسعت حدقتا عينيّ وأنا أثبت نظراتي على صاحب المقعد 1A. الابتسامة الباردة التي ارتسمت على شفتيه كانت كفيلة بأن تجعل الدماء تتجمد في عروقي. كان هذا الرجل هو “دكتور سامح”… أستاذ الجراحة السابق والرئيس التنفيذي لأحد المستشفيات الخاصة الكبرى التي عملت بها قبل سنوات، وهو الرجل نفسه الذي كشفتُ عن مخالفت قضايا اتجار وتزوير في مستشفاه، مما أدى لطرده وسحب رخصته الطبية.

كان سامح يجلس بمنتهى الهدوء، يرتشف قهوته وكأنه يشاهد مسرحية أخرجها بنفسه وبأعلى درجات الإتقان.

في تلك اللحظة، اهتز هاتفي مجددًا برسالة خاطفة من طارق:

【سامح هو العقل المدبر. شريف وندى ودينا مجرد أدوات رخيصة استخدمهم عشان يدمّرك. هو عارف إنك طبيبة متفوقة وعندك حس مسؤولية عالي، وكان مراهن إن غريزتك الطبية هتخليكي تلمسي ندى، فيدمرك بالابتزاز المالي، ولو فشل الابتزاز، فالشنطة المجهزة في الشحن بالمخدرات كانت الخطية “ب” اللي هتنهي حياتك المهنية للابد.】

【المشكلة دلوقتي يا ليلى: سامح معاه أوراق رسمية ومستندات مزورة في شنطة يده، تثبت إن الشنطة اللي تحت في الشحن ملكِك إنتِ رسمياً وبعلمك! لازم الشنطة اللي معاه متخرجش بره الطيارة.】

انقبض صدري. سامح لم يكن يمارس ابتزازًا عشوائيًا، بل كان ينفذ انتقامًا مبرمجًا ومخططًا له بالكامل.

التفتُّ إلى صلاح—رئيس الطاقم—الذي كان يراقب شريف وندى بعد أن تم تقييدهما بحزام الأمان في المقاعد الخلفية بواسطة بعض الركاب والشرطي السابق.

دنيتُ من صلاح وهمستُ له بصوت خافض حاد:

— أستاذ صلاح… المحرك الحقيقي للشبكة دي قاعد في المقعد 1A في البيزنس كلاس. “سامح”. معاه شنطة يد فيها أوراق مزورة بتحمل اسمي ومصممة لتلفيق قضية التهريب لي أول ما نهبط.

صلاح نظر نحو بداية درجة رجال الأعمال بصرامة، ثم قال بصوت منخفض:

— الطائرة قدامها 12 دقيقة بالضبط وتهبط في مطار العاصمة. القوات الأمنية والنيابة العسكرية تم إبلاغهم ببروتوكول 404 وهيكونوا على المدرج فور الهبوط. بس إحنا معندناش سلطة قانونية لتفتيش شنطة يد راكب بدون إذن قضائي طالما هو مأبدى أي تهديد مباشر أو تلبّس داخل المقصورة.

 

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى