روايات وقصص

قصة بنت من الأرياف

صحيح.. هاتي البطاقة الشخصية بتاعتك يا دليلة، عشان سارة تسجل البيانات في العقد.
خديجة اتسمرت مكانها، ريقها نشف وقلبها بدأ يدق بسرعة لدرجة إنها خافت يحيى يسمعه. دليلة؟! الاسم رن في ودنها زي الجرس. هي كانت مفهمة يحيى إن ده اسمها، بس دلوقتي هي قدام لحظة الحقيقة.. البطاقة فيها الاسم الحقيقي خديجة، والسر اللي بتحاول تخبيه ممكن يتكشف في ثانية.
خديجة بصوت مهزوز وهي بتفتح شنطتها ببطء
أنا.. أصل.. البطاقة يا يحيى..
يحيى رفع حاجبه باستغراب من تأخرها ورد بنبرة فيها شك
في إيه يا دليلة؟ مالك اتوترتي كدة ليه؟ البطاقة ضايعة ولا إيه؟
خديجة بلعت ريقها بصعوبة، وإيدها فضلت تنعكش في الشنطة وكأنها بتدور على إبرة في كوم قش، وهي بتحاول ترسم ملامح الصدمة المصطنعة على وشها.
خديجة بصوت مخنوق من التوتر
يا خبر.. يحيى، أنا تقريباً نسيتها في الشنطة التانية.. أو.. أو يمكن وقعت مني وأنا نازلة! مش لاقياها خالص، والظاهر إنها ضاعت.
يحيى ملمحش ولا حركة استعجال، بالعكس، فضل واقف مكانه، ساند ضهره على مكتب سارة، ومربع إيده. الصمت طال لدرجة خلت خديجة ترفع عينها تبصله.. لقت على وشه ابتسامة باهتة وغامضة، ابتسامة حد عارف اللعبة بس مستني يشوف نهايتها إيه.
يحيى بصوت هادي جداً وفيه نبرة سخرية
ضاعت؟ يا خسارة.. ده لسه أول يوم يا دليلة، والظاهر إن الذاكرة عندك محتاجة تنشيط شوية.
قرب منها خطوة واحدة، فخلاها ترجع لورا غصب عنها، كمل وهو بيبص في عينيها مباشرة
بس مش مشكلة.. سارة هتمشي الإجراءات مؤقتاً بالبيانات اللي عندنا، بس البطاقة لازم تكون قدامي بكرة الصبح.. وإلا العقد مش هيتم.
سارة بدأت تكتب، ويحيى لف وظهره ليها وهو بيقول ببرود قبل ما يدخل مكتبه
اتفضلي على مكتبك يا.. دليلة. ويا ريت تركزي في شغلك أكتر ما بتركزني في تدويرك على البطاقة.
خديجة وقفت مكانها، حاسة إن الأرض بتلف بيها. الابتسامة اللي شافتها على وش يحيى مكنتش ابتسامة حد صدقها، دي كانت ابتسامة صياد لقى فريسته بتتحرك في المصيدة غلط.
دخلت خديجة مكتبها الجديد اللي كان بيفصل بينه وبين مكتب يحيى باب زجاجي فامييه بيخليها شايفة خياله وهو قاعد، لكن هو يقدر يشوف كل تفصيلة بتعملها لو ركز. بدأت ترتب مكتبها وإيدها لسه بتترعش، وكل شوية ترفع عينها تلاقي يحيى بيبص لها من ورا المكتب بتركيز غريب، وكأنه بيقرأ أفكارها مش بيراجع ورق الشغل.
يحيى مكنش مدير عادي، كان بيفهم لغة الجسد كويس جداً، وحركة خديجة وتوترها المبالغ فيه لما جاب سيرة البطاقة أكد له إن ورا دليلة قصة كبيرة، وهو مش من النوع اللي بيسيب لغز من غير حل.
يحيى رفع سماعة التليفون الداخلي وبص لها من ورا الزجاج
دليلة.. تعاليلي المكتب، ومعاكي نوتة المواعيد.
خديجة قامت بسرعة، عدلت لبسها ودخلت المكتب وهي بتحاول ترسم الهدوء.
خديجة أيوه يا يحيى بيه، مواعيد حضرتك النهاردة..
يحيى قاطعها وهو ساند ضهره لورا ومربع إيده
سيبك من المواعيد دلوقتي.. قوليلي يا دليلة، إنتي عشتي طول عمرك في إسكندرية زي ما قولتي وطنط هدى عرفتني؟
خديجة ارتبكت
أيوه.. أصل.. إحنا كنا بنتحرك كتير بس أغلب الوقت كان هناك.
يحيى بابتسامة باردة
غريبة.. أصل لهجتك قاهرية صرف، مفيش فيها ريحة بحري خالص. وبعدين اسم دليلة ده اسم نادر شوية، مسمعتوش قبل كدة في العيلة عندكم.. متأكدة إن مفيش حد بيدلعك باسم تاني؟ خديجة مثلاً؟
خديجة حست إن الدم هرب من وشها، وقلبها كأنه هيوقف. بصت له بصدمة، وهو فضل مثبت نظراته الحادة فيها، وكأنه بيستمتع بحالة الارتباك اللي هي فيها.
خديجة بتحاول تتماسك
خديجة؟ لا طبعاً.. ده اسم قديم أوي، مين هيسميني كدة؟
يحيى قام من على مكتبه وقرب منها بهدوء
فعلاً اسم قديم.. بس أصيل. عموماً، أنا هسيبك النهاردة تشوفي شغلك، بس افتكري إن في شركتي، أنا مابحبش الكدب.. ولا الكدابين. اتفضلي على مكتبك.
خديجة خرجت وهي حاسة إن يحيى مش بس شاكك، ده كأنه عارف الحقيقة ومستنيها هي اللي تنطق. بدأت تسأل نفسها هو يحيى عرف حاجة؟ ولا ده مجرد ذكاء منه؟
فات أسبوع كامل وخديجة دليلة في الشركة، والحال هو هو؛ يحيى عينه عليها في كل حركة، كأنه بيراقب فريسة مستنيها تغلط، وهي بتحاول بكل قوتها تلتزم بالدور وتتجنب أي كلام معاه بره حدود الشغل.
وفي وسط التوتر ده، ظهر كريم، مهندس شاب في قسم الجرافيك، معروف بذوقه وأخلاقه، ومن أول يوم شاف فيه خديجة وهو مشدود ليها ولهدوئها.
في يوم، خديجة كانت واقفة عند مكنة القهوة بتعمل قهوتها الصباحية، والشرود باين على وشها.
كريم بابتسامة بشوشة
صباح الخير يا آنسة دليلة.. القهوة شكلها محتاجة سكر زيادة عشان تظبط المود.
خديجة انتبهت وابتسمت بمجاملة
صباح النور يا بشمهندس كريم..

تابع المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى