منوعات

قصة أمضت أمي ثماني سنوات تبكي أمام قبر أخي

وكان بإمكاني أيضًا الاتصال بأبي… الذي غالبًا ما يكون في مكتبه في مثل هذا الوقت، أو في إحدى رحلاته التي لم يشرحها لنا يومًا.

لكن الجملة التي كتبها مصعب ظلت عالقة في رأسي:
“إذا عرف أبي قبل أن تسمعني… ستكون أمي في خطر.”

أدرت المحرك وانطلقت.

طوال الطريق كنت أراقب المرآة الخلفية كما طلب، كل ضوء سيارة كان يبدو مريبًا، وكل مركبة متوقفة توحي بأنها تراقبني.

لم تكن بحري مخيفة في الليل من قبل… لكن في تلك الليلة شعرت أنها تتابعني خطوة بخطوة.

مررت بأحياء شبه نائمة، وشوارع ضيقة، وكلاب نحيلة تعبث بأكياس القمامة… حتى وصلت قبل الموعد بدقيقة واحدة.

لم يكن المنزل رقم 12 منزلًا عاديًا، بل مبنى قديم بواجهة باهتة وضوء أصفر ضعيف يرتجف فوق المدخل.

طرقت الباب مرة فلم يجب أحد… ثم طرقت مرة أخرى… وبعد لحظات سُمِع صوت سلسلة وانفتح الباب ببطء.

نظر إليّ مصعب من خلفه.

كان أسوأ حالًا مما رأيته في الدكان… أنحف، متعب، وعيناه غائرتان كأنه لم ينم منذ سنوات.

دخلت دون أن أتكلم، فأغلق الباب بسرعة وأحكمه بقفلين… كأنه يخشى أن يتبعه أحد.

الغرفة كانت بسيطة جدًا: سرير ضيق، طاولة بلاستيكية، مروحة قديمة، وصورة معلّقة بإهمال، ورائحة رطوبة وقهوة قديمة تملأ المكان.

وقفت أمامه وأنا أحاول السيطرة على ارتجافي، ثم قلت بحدة:
“تكلّم… قبل أن أفقد صبري.”

نظر إليّ نظرة قصيرة، وكاد يبتسم لكنه لم يفعل، ثم قال بصوت منخفض:
“كنت أعرف أنك ستأتي… هل تعلم أنا من طلب الطرد.”

تجمّدت في مكاني.

أكمل بهدوء:
“لم يكن هناك طرد حقيقي… كنت أحتاج طريقة أراك بها دون أن ألفت الانتباه.”

تجمّدتُ لحظة… كأن المعنى احتاج وقتًا ليصل.

“يعني… كل هذا كان خدعة؟ الطرد خدعة وم*و*تك خدعة.

لم يجب.

شعرت بالغضب يشتعل داخلي فجأة، فقلت بسرعة:
نحن دفنّاك يا مصعب. أمي مرضت، وأنا تركت دراستي فترة لأنني لم أستطع حتى النهوض من السرير… وأنت؟ أين كنت؟ كنت تعيش حياتك.. وج*ث*ة من التي قمنا بدفنها؟

جلس على حافة السرير وحدّق في الأرض، ثم قال:
“الج*ث*ة كانت لرجل يعمل مع أبي.”

لم أفهم فورًا… ثم بدأت الصورة تتضح، ومعها شعور بالغثيان.

سألته: “يعمل في ماذا؟”

رفع رأسه وقال:
“أبي لم يكن رجلًا عاديًا… كان حلقة وصل. ينقل أشياء… ويرتّب أمورًا ويخفي مشاكل أشخاص لا يريدون أن تتّسخ أيديهم.”

ساد صمت ثقيل.

ثم قال:
“أدخلني معه… كنت أعمل لصالحه..  حتى رأيت شيئًا لم يكن يجب أن أراه.”

اقتربت خطوة:
“ماذا رأيت؟”

تأخر قليلًا… ثم قال:
“لم يكن مجرد عمل… كانت تصفية.”

تجمّدت.
“ماذا تقصد؟”

قال بهدوء أثقل:
“رجل مهم… شخص لا يُمكن الاقتراب منه… ورأيت كل شيء.”

شعرتُ بقشعريرة تسري في جسدي.
“وأبي؟”

تنفّس ببطء، ثم قال:
“أبي… كان يعلم.”

تجمّدتُ:
“كيف؟”

نظر إليّ بثبات، وقال:
“لأن هذا النوع من الأمور…لن يتم من دون أن يعلم”

سكت لحظة، ثم أضاف بصوتٍ أخفض:
“لم يأمر بق*ت*لي صراحة… لكن الأمر كان صادرًا من جهةٍ فوقه…”

ابتلع ريقه، ثم أكمل:
“وكان يستطيع أن يحاول إيقافه… لكنه لم يفعل.”

ارتجف صوتي:
“لماذا؟”

أخفض عينيه قليلًا، وقال:
“لأنه خاف واختار أن يحمي نفسه… لا أنا.”

شعرتُ بأن الأرض تميد بي.

أكمل بصوتٍ منخفض:
“كنت أعلم أن والدي أناني… ولن يحاول حمايتي. لذلك احتفظتُ بنسخ من أشياء كثيرة… أسماء، حسابات… تحسّبًا لأي شيء.”

سكت لحظة، ثم تابع:

وعندما شعرت بالخطر… قفزت من السيارة قبل الحادث. قفزت قبل الاصطدام بثوانٍ في طريق مظلم… ولم ينتبه أحد.

ابتلع ريقه، وأضاف:
“وتركتهم يظنون أنني مت.”

أغمضتُ عيني للحظة.

“ولماذا لم تبحث عنا؟”

قال بصوتٍ خافت:

“لأن أبي تأكّد أنني ميت… وأراد أن أبقى كذلك. لو اقتربتُ… كنتم ستدفعون الثمن.

ولو عرف أنني حي… لن يتردد في تسليمي لهم لينجو بنفسه.

ارتجف صوتي:
“كنّا تحت المراقبة؟”

“دائمًا…”

ساد صمت ثقيل بيننا.

ثم سألته:
“لماذا الآن؟”

نظر نحو النافذة، وقال بهدوء:
“لأن كل شيء تغيّر.”

ثم أخرج ظرفًا أصفر، ومدّه إليّ.

“أبي لم يعد يعمل معهم… بل بدأ يعمل مع منافسيهم.
والآن يريدون التخلص منه وهو يحاول الهروب.”

“وعندما يخونهم شخص مثله لا يتركون وراءهم شهودًا… ولا يكتفون به وحده، بل يتخلّصون من كل من يخصّه.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى