عام

وجده خلف باب بيت أمه بعد 6 سنوات

لا دجاج هناك، ولا أحواض زهور. كانت الساحة خاوية ، كأن أحدًا لم يطأها منذ شهور.

وهناك، تمامًا أمام الباب، كان كلب بلون القرفة، . تعرّف عليه رودريغو حالًا. كان ذلك هو كانيلو، الكلب الضالّ الذي كانت أمّه تطعمه كل يوم. كانت تضع له طبقًا من بقايا الطعام قرب الباب كل صباح، وتقول له في الهاتف:
إنه رفيقي الصغير، حتى إنه صار ينام هنا عند المدخل.

مقالات ذات صلة

كان كانيلو لا يزال هناك، لكنه لم يعد الكلب الذي يتذكّره رودريغو. صار . كانت . وما إن رأى رودريغو حتى رفع رأسه ببطء، كأن ذلك يكلّفه جهدًا. حرّك ذيله مرة، ثم مرة ثانية، ثم أطلق أنينًا طويلًا أجشّ، كأنه أمضى شهورًا يحاول أن يقول لأحد ما الذي يحدث.

تجمّد في عروق رودريغو. اقترب من الباب. كانت موضوعة من الخارج. والقفل لا يمكن فتحه من دون مفتاح. ألصق أذنه بالخشب. في البداية لم يسمع شيئًا، سوى الصمت. ثم جاء صوت خافت، كأن شيئًا يُجرّ على الأرض، كأن أحدًا يتحرّك في الداخل بما بقي له من قوّة.

قال بصوت مرتجف:
أمّي…

صمت.

ثم كرّر:
أمّي…

وعندها سمعها. همسًا واهيًا كاد الهواء أن يختطفه:
ولدي…

شعر رودريغو كأن الأرض تحت قدميه.

لم يفكّر، لم يقدّر، لم يحسب. ركض نحو الشاحنة، وأخرج من صندوقها عتلة حديدية، وعاد إلى الباب. هوى بها على مرة، ثم ثانية، ثم ثالثة. لم القفل. بكل ما في جسده، بكل الغضب الذي كان يصعد من جوفه.

في الخامسة انقطع أضعف حلقاتها وأكثرها صدأً. على الأرض بصوت جاف. دفع رودريغو الباب، وكانت الرائحة أول ما هاجمه.

 أنفه . ، وطعام ،وشيء آخر لم يرد حتى أن يعرّفه. غطّى فمه بذراعه، وتقدّم خطوة إلى الداخل. كان الظلام شبه كامل. الألواح المثبّتة على النوافذ لا تسمح حتى بخيط واحد من الضوء.

احتاجت عيناه بضع ثوان حتى تعتادا العتمة، ثم رآها.

في زاوية الغرفة، على فراش ملقى على الأرض، كانت دونيا كارمن… أو ما تبقّى منها.

المرأة التي كان يتذكرها قوية، عريضة الكتفين، سمراء لفحتها الشمس، بيدين تستطيعان حمل أكياس الخضار وعجن العجين في آن واحد… لم تعد موجودة. المرأة التي كانت أمامه الآن لم تكن إلا ، ، وشعرها الأبيض الطويل ملتصق بوجهها بعرق قديم.

كانت ترتدي  رماديًا كان أبيض يومًا ما،. رفعت يدًا ترتجف ارتجافًا شديدًا حتى بدا كأن الهواء نفسه هو الذي يحرّكها. فتحت عينيها، واستغرقت لحظة حتى تركّز نظرها، ثم قالت:
ولدي… أأنت حقًّا؟ أم أنني ؟

هوى رودريغو على ركبتيه قرب الفراش. لم يستطع أن يتكلم. لم تخرج الكلمات. فقط ضمّها إليه. وعندما شدّها إلى ، شعر بكل من أمّه، بكل ضلع، بكل فقرة، كأنه طائرًا .

بكى كما لم يبكِ منذ كان طفلًا. بكاء قبيحًا مكسورًا، من ذلك البكاء الذي يخرج من مكان داخل الإنسان لم يكن يعرف أنه موجود أصلًا.

قال:
أنا هنا يا أمّي… أنا هنا الآن…

وكانت كارمن تبكي أيضًا، لكن من دون قوة. كانت الدموع تنزل على  من غير أن تستطيع حتى أن ترفع يدها لتمسحها.

نظر رودريغو حوله، فكان كل تفصيل أسوأ من سابقه. في أسفل الباب . وبالقرب من الفراش كانت بقايا خبز ، وقليل من الفاصولياء الجافة الملتصقة بالأرض، وكوب بلاستيكي منقلب.

كان أحدهم يمرّر لها الطعام من ذلك . أقلّ ما يمكن، فقط القدر الكافي كي لا . لا رحمةً، بل مصلحة. الأسئلة، أمّا عجوز صامتة فلا.

وفي الزاوية المقابلة . وعلى الجدران آثار وخطوط محفورة بشيء ما، ربّما حجر، وربّما ظفر.

عدّها رودريغو من غير قصد.

عشرات… مئات.

كانت أمّه تعدّ الأيام في بيتها هي، في البيت الذي بنته مع زوجها، في البيت الذي وُلد فيه رودريغو.

شخص ما هناك كما الحيوان. سمّر النوافذ، ووضع ، وصار يمرّر لها الطعام عبر في الباب، لا ليُبقيها حيّة رحمة بها، بل ليُبقيها صامتة.

شدّ رودريغو فكّه حتى كاد يسمع صوت احتكاك أسنانه، وقال:
من فعل بكِ هذا يا أمّي؟

أغمضت كارمن عينيها، ولم تجب.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى