عام

الطفلة التي أنقذت التوائم… فاكتشفت أنها لم تكن غريبة عنهم أبدًا!

في تلك الليلة، لم تنم صوفيا. كان التوائم الثلاثة يبكون بالتناوب، كأنهم يتفقون على ألا يسمحوا للوف أن يستقر في . كان أحدهم يبكي بصوت حادّ ومذور، وآخر لا يكاد يئنّ، لكنه يحمرّ غبًا إن تأخرت في حمله، أما الثالث فكان الأكثر هدوءًا، وهذا بالذات ما كان ييفها أكثر، فالأطفال الصامتون كثيرًا ما يفون ما هو أطر.

 

كانت صوفيا تتحرّك بينهم بيديها الصغيرتين المرتبكتين، تسخّن الحليب فوق موقد مستعار، وتبدّل بأخرى نصف جافة، وتلفّهم بما تستطيع باستخدام البطّانيتين الوحيدتين اللتين تملكهما. وكلما فتح أحدهم عينيه، شعرت بوخزة غريبة في داخلها. لم ينظر إليها أحد بهذه الطريقة من قبل، ليس باحتياج فحسب، بل بثقة عمياء وكاملة.
لن أترككم همست، رغم أن أحدًا لم يطلب منها ذلك حتى وإن لم أعرف كيف.
لكن الخارج لم يعد آمنًا.
أدركت ذلك قبيل الفجر، حين سمعت صوت محرّك سيارة يتوقف عند . تجمّدت في مكانها، وأحد الأطفال نائم على كتفها. ثم سمعت أبوابًا تُفتح، وخطوات فوق البرك، وصوت رجل يقول
. فتاة الزهور تمرّ من هنا.
شعرت صوفيا بأن
أطفأت الموقد فورًا، وسحبت السلّة إلى  خلف صناديق مكدّسة، وانكمشت هناك، تضغط الأطفال الثلاثة إلى صدرها، ترجُو ألا يبكي أحدهم.
تحرّك الباب

الصدئ..
ثم أخرى.
افتحي يا فتاة! صاح صوت غريب نحن فقط نريد مساعدتك.
مساعدة.
دارت الخطوات حول . أحد الرجال نافذة وأدخل يده بين الزجاج، لكنه لم يصل إلى القفل الداخلي. شتم آخر. بدأ الأطفال يتحركون بقلق، وأصدر أحدهم صوتًا خافتًا، تلك الأصوات التي تبدو لا شيء، لكنها تكبر سريعًا.
غطّت صوفيا فمه بحافة البطانية وهي ترتجف
ششش أرجوك، أرجوك
في الخارج، بصق أحد الرجال وقال
ليسوا هنا. لنغادر قبل أن يطلع النهار ويرانا أحد.
انطلقت السيارة بعد دقائق، لكن صوفيا لم تخرج من مخبئها إلا بعد وقت طويل، حين تسلّل الضوء الرمادي الأول من شقوق السقف.
حينها اتخذت قرارًا.
لم يعد بإمكانها البقاء في انتظار أن يعثروا عليها، ولا يمكنها الذهاب إلى أي شرطي. فقد عاشت ما يكفي لتعرف أن حتى أصحاب الزي الرسمي. إن سلّمت الأطفال للشخص الخطأ، فقد مرة أخرى، وهي تعرف جيدًا معنى أن تكبر بلا أحد.
كانت بحاجة لأن ترى ذلك الملياردير بنفسها.
أن تنظر في عينيه.
في ذلك اليوم، لم تخرج لبيع الزهور. بل قطعت نصف المدينة سيرًا على الأقدام، تحمل التوائم داخل السلّة، مغطّين ببطانية رمادية. كانت تمشي ببطء، تتظاهر بالطبيعية، وتتجنب الشوارع الرئيسية وكل من يبدو مريبًا. كانت قد اقتطعت صورة دييغو سالازار من جريدة قديمة واحتفظت بها مطوية في جيب فستانها، تحفظ ملامحه. إن ظهر محاطًا بالحراس أو الصحافة، فلن تقترب. وإن بدا مبتسمًا أكثر من اللازم، فلن تقترب أيضًا، فالشخص الذي يفقد أبناءه لا يبتسم.
لكن القدر وضعه أمامها قبل الظهيرة.
كان ذلك في الساحة أمام البلدية، حيث نُصبت منصة وكاميرات وصحفيون. اختبأت صوفيا خلف عربة لبيع الطعام، وأطلت برأسها فقط.
لم يكن دييغو سالازار كما في الصورة.
في الجريدة، بدا أنيقًا، ببدلة داكنة وابتسامة براقة. أما الآن، فكان يحمل نفس الملابس الفاخرة، لكن وجهه مختلف هالات سوداء، ولحية غير محلوقة بالكامل، وكتفان متوتران. بدا كمن لم ينم منذ أيام. كان الصحفيون بالأسئلة، لكنه بالكاد يسمعهم.
لا يهمني المال قال فجأة، بصوت مكسور أكثر مما هو قوي من لديه أبنائي، من رآهم، من يعرف شيئًا لا أتحدث كرجل أعمال، بل كأب. أعيدوهم إليّ أحياء، هذا فقط.
شيء ما في تلك الجملة اخترق خوف صوفيا.
لم يقل ورثتي، ولا الأطفال، بل قال أبنائي، وكأن كل حرف يؤلمه.
ومع ذلك، لم تتحرّك.
ثم حدث شيء.
رجل وسط الحشد ، ة، بنفس  التي سمعتها ليلًا التفت ونظر إليها. تعرفت عليه فورًا. كان أحد أولئك الرجال.
ضيّق عينيه.
نظر إلى السلّة.
وبدأ يقترب.
لم تفكّر صوفيا. انطلقت تركض.
الساحة خلفها ، والناس تبتعد، وصوت يقول !. لم تعرف إن كانوا يقصدونها أم الرجل. ركضت والسلّة ملتصقة بجسدها، عبرت بين البسطات، صندوقًا، وانعطفت إلى شارع جانبي.
بدأ الأطفال بالبكاء.
وكان الرجل خلفها.
توقفي!
لم تكن تهرب لأنها سرقت شيئًا.
بل لأن الأطفال فعلًا أبناء ذلك الرجل.
انعطفت مرة أخرى، بشخص.
كادت .
أمسكتها يدان قويتان من كتفيها، واستقرت السلّة بينهما.
انتبهي.
عرفت الصوت قبل أن ترفع رأسها.
دييغو سالازار.
للحظة، لم تستطع الكلام. كان قريبًا جدًا. تفوح منه رائحة عطر فاخر وإرهاق عميق. خلفه، تحرك رجال الحماية فورًا، يراقبون المطارد. توقف الرجل الآخر، ثم فرّ هاربًا.
لم يلاحقه دييغو.
كان كل تركيزه على السلّة.
كان الأطفال يبكون.
توقف عن التنفّس.
لا يمكن
ارتجفت يداه وهو يزيح الغطاء.
لن تنسى صوفيا تلك الملامح أبدًا.
لم تكن ملامح أنيقة، بل ملامح رجل أُعيد إليه قلبه بعد أن . وضع يده على فمه، وامتلأت عيناه بالدموع بسرعة مذهلة.
ماتيو لوسيا إيكر همس وهو يلمس جباههم برفق يا إلهي
هدأ أحد الأطفال حين سمع صوته، وفتح آخر عينيه ومدّ يده نحوه. أطلق دييغو صوتًا بين الضحك والبكاء.
تراجعت صوفيا خطوة.
ليس خوفًا.
بل احترامًا.
لكن دييغو رفع رأسه ونظر إليها.
حقًا نظر.
إلى ، ويديها المتعبتين، التي كانت تحمل أبناءه ككنز.
هل أنتِ من وجدهم؟
أومأت.
في الحديقة. كانوا وحدهم.
هل اعتنيتِ بهم؟
نعم.
طوال الليل؟
أومأت مجددًا.
أغلق عينيه لحظة، كأنما يحاول أن يستوعب ما يسمعه، ثم فتحهما ببطء، ونظر إليها نظرة

امتنان عميقة جعلت قلبها يرتبك، وكأنها لم تعتد أن تُرى بهذه الطريقة من قبل، لا كطفلة شاردة، ولا كظلٍ يمرّ في الطرقات، بل كإنسان له قيمة له أثر.
وفي تلك اللحظة، بدأ المكان يمتلئ بالضجيج.
وصل رجال الحراسة أولًا، بوجوه صارمة ونظرات يقظة، يتفحّصون كل زاوية، ثم تبعهم المسعفون، يحملون معداتهم بسرعة، ثم موظفون من البلدية، وامرأة أنيقة تبكي وهي تتحدث عبر الهاتف، وصحفيون يحاولون الاقتراب، وكاميرات تلتقط كل شيء.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى