عام

بنتي اللي عندها خمس سنين

حطت ودنها على أرضية بيت أختي الجديد وقعدت تعيط وهي بتقول: “أخويا بيعيط تحت يا بابا”. ولأني عارف إن بنتي “مكشوف عنها الحجاب”، كـ،ـسرت السيراميك وخـ،ـلعت خشب الأرضية.. ولقيت ابني، اللي مفـ،ـقود من سنة كاملة،

أنا طول عمري مؤمن إن الدنيا ماشية بمنطق.. يعني ورق تأمين، أقساط، صور عدادات، إمضاءات على بياض. عالم تقدر تقيسه وتأرشفه في ملفات. قبل ما “ياسين” يختـ،ـفي، كانت أغرب حاجة حصلت في حياتي هي طـ،ـلاقي.. موضوع بايخ بس عادي، بيحصل لآلاف المصريين كل يوم. بعدين ابني فص ملح وذاب، ومبقتش فاهم حاجة.. لا بوليس نفع، ولا حملات تدوير، ولا حتى دعواتي، ولا السـ،ـرير الفاضي اللي مكنتش هاين عليا أشيله من الأو.ضة.
بس مفيش حاجة – حرفياً مفيش حاجة – جهزتني للحظة اللي لقيته فيها تحت أرضية بيت أختي “نورا” الجديد “لانج”.
أول ما خـ،ـلعت أول لوح خشب وهجـ،ـمت في وشي ريحة “” وتراب، العالم اللي كنت عارفه وقع زي القناع من على الوش. كشاف الموبايل شـ،ـق الضلمة وإيدي بتترعـ،ـش.. في الأول مشوفتش

مقالات ذات صلة

غير طينة وعفرة وحتة أرض مش متساوية.
بعدين.. فيه خيال اتحرك.
جسم صغير.
وش أحفظه أكتر من وشي أنا شخصياً.
ياسين!
بربش بعينه من كتر النور، جفونه كانت بتتحرك كأنه صاحي من كابـ،ـوس وداخل في واقع أوسـ،ـخ منه مية مرة. ، شفايفه مشـ،ـققة، شعره طول عن آخر مرة شفته فيها.. ملبد ومطفي ومزجق في قورته. كان فيه ، والسلسلة مربوطة بمسمار صلب في عرق خشب من بتوع السقف. رجله الحافية كانت سودة من كتر الطينة.
همس بصوت يدوب طالع بالعافية: “بابا..”.
زوري اتخـ،ـنق.. جسمي اتجمد.. مكنتش حاسس بنفسي وأنا بتنفس أصلاً.
أختي “نورا” كانت واقفة ورايا وبتهته برعـ،ـب: “يا نهار أسود.. يا نهار أسود.. يا وائل، هو ده؟ هو بجد؟”
مقدرتش أرد.. مقدرتش أفكر.. مكنتش شايف غير ابني – حبيبي اللي كان بيمـ،ـوت في الديناصورات ولعبه – عايش ومسـ،ـجون تحت صالة بيت أختي!
بنتي الصغيرة “ليلي” مسكت في دراعي وقالت بصوت بيرتعـ،ـش: “شوفت يا بابا؟ مش قلتلك..”.
مرفتش هي حست بإيه ولا إزاي.. مكنش فارقلي. بدأت أكـ،ـسر في الخشب بإيدي وأرميه يمين وشمال، والشـ،ـظايا جـ،ـرحت كفوفي ود.متني. أختي جريت تكلم النجدة وصوتها كان منـ،ـهار. “ليلي” فضلت واقفة جنبي بترتعـ،ـش بس مرضيتش تغمض عينيها.
قلت بصوت مخـ،ـنوق وأنا بوسع الفتحة: “ياسين.. يا بطل، أنا هنا.. أنا جنبك يا حبيبي.”
عينيه اتملت دموع.. دموع ساكتة وتعبانة رسمت خطوط في وسط الطينة اللي على وشه. جسمه كله استرخى من كتر الراحة والرعـ،ـب في وقت واحد.
اترجي بخوف: “بابا.. متمشيش.”
رديت عليه: “مش هتحرك من هنا.”
اللي تحت الأرضية – يدوب ياخدني وأنا قاعد – كتافي كانت بتحك في العروق الخشب وأنا بزحف ناحيته. .  كل غريزة جوايا كانت بتصـ،ـرخ.. ابني كان هنا! مش ساعة ولا اتنين.. ولا بالصدفة.. ده بقاله شهور!
فيه حد
كل ثانية بتعدي كانت كأني ماشي في خرسانة، الرعـ،ـب شل حركتي. وصلتله ومسكت وشه بين إيدي، صوابعي كانت بتترعـ،ـش على جلده الوـ،ـسخ.
قلتله وصوتي طالع مشـ،ـروخ: “خلاص يا حبيبي.. أنا معاك.. أنا معاك دلوقتى.”
صـ،ـدره كان بيترج من كتر العياط المكتوم. حاول يترمي في حـ،ـضني بس “نتر” لما السلسلة شدت دراعه.
قلتله: “هفك البتاعة دي حالاً.”
السلسلة كانت مربوطة بمسمار ضخم… ضيق زيادة عن اللزوم.. . غل مش عارف أوجهه لمين. مين اللي عمل كدة؟ مين اللي جابه هنا؟ وليه؟ وإزاي أختي مخدتش بالها إن فيه روح تحت بيتها؟
صوت سرينة البوليس بدأ يعلى في المنطقة.
أختي نورا ندهت من فوق: “يا وائل! وصلوا! البوليس وصل!”
زعقت فيها: “قوليلهم يخلصوا! الولد
ياسين اتنفض من الصوت. خدته وبدأت أداريه بجسمي كأني بحميه من الهوا اللي حوالينا.
همس تاني بصوت يدوب مسموع: “بابا.. أبـ،ـوس إيدك.. متخليهومش يرجعوني تاني..”
الجملة اللي ياسين قالها: “متخليهومش يرجعوني تاني”، نزلت عليا زي الصـ،ـاعقة. يرجعوك فين؟ ومين اللي جابك هنا؟ البوليس اقتحـ،ـم البيت، و”نورا” أختي كانت واقفة بتترعـ،ـش ومنهارة تماماً. دخلوا الظباط ومعاهم العدة

أول ما السلسلة اتقصت، شيلته وخرجت بيه من تحت الأرض. كان خفيف.. خفيف زيادة عن اللزوم، كأني شايل ريشة، مش طفل عنده 7 سنين. المسعفين خدوه مني بسرعة وركبوا له محاليل وطلعوا بيه على المستشفى، وأنا كنت زي المجنون مش عايز أسيب إيده.

نورا أختي كانت بتبكي بحـ،ـرقة وبتقول للظابط: “والله ما كنت أعرف! أنا لسه شارية البيت ده من شهرين بعفشه وبكل حاجة فيه! والله ما دخلت الأو.ضة دي غير عشان أصلح السباكة!”

بس أنا مكنتش سامعها.. مكنتش سامع غير صوت “ليلي” بنتي الصغيرة وهي بتقول بهدوء غريب يرعب: “الراجل اللي كان بيأكله مشي يا بابا.. مشي لما إحنا جينا.”

الفصل الثالث: المستشفى والحقيقة المرة

في المستشفى، الدكاترة قالوا إن ياسين عنده جفاف حاد وسوء تغذية، بس الصد.مة الكبيرة كانت في “التقرير النفسي”. الولد مكنش بيتكلم، مكنش بيثق في حد غيري، وكان بيترعـ،ـش كل ما باب الأو.ضة يتفتح.

قعدت

جنبه، مسكت إيده وقلتله: “ياسين.. حبيبي، إنت بقالك سنة مختفي. إيه اللي وداك تحت بلاط بيت عمتك نورا؟ ومين اللي كان بيعمل فيك كدة؟”

ياسين بص لي بعيون مكـ،ـسورة وقال بصوت مبحوح: “ماما..”.

قلبي وقف. “ماما؟ طليقتي “مروة”؟”

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى