أخبار

قصة روحت عزومة عيلة أختي

قاطعها والدي بصرخة هزت أركان الفيلا: “اخرسي يا نيرمين! ليلى دي حفيدة صاحب البيت، والبيت ده إيمان ليها فيه أكتر من أي حد فيكم.”

التفت والدي إلى “شريف” صهرنا، الذي كان يحاول التواري خلف كوب العصير، وقال له: “وأنت يا شريف.. كنت جاي النهاردة عشان تطلب مني التنازل عن الأرض اللي في التجمع عشان تدخل بها شريك في الشركة، مش كده؟”

شريف ابتلع ريقه بتوتر: “يا عمي ده مشروع العمر، ونيرمين قالت لي إن حضرتك موافق.”

هنا، وقف والدي واتجه نحو المكتب الصغير في ركن الصالة، وأخرج ملفاً جلدياً أسود. عاد إلى السفرة ورماه أمام الجميع.

“المؤامرة اللي عملتوها النهاردة عشان تبعدوا إيمان عن القعدة، أنا فاهمها كويس. كنتم فاكرين إن لو إيمان مش موجودة، هتقدروا تضغطوا عليا أمضي على ورق التنازل بحجة إن نيرمين هي اللي شايلاني، وإن إيمان ‘مش حمل مسؤولية’ وممكن تضيع الفلوس.”

أمي وقفت بحدة: “عبد الحميد! أنت بتصغرنا قدام

الناس ليه؟ إيمان بنتك وأنا أمها، وأنا أدرى بمصلحتها.. هي مش محتاجة أطيان، هي محتاجة حد يستر عليها!”

بصقت أمي بالكلمة الأخيرة، وكأن حياتي بدون رجل هي “عورة” يجب سترها. شعرتُ بالدموع تحرق عيني، لكنني رفعت رأسي. كنتُ سأنسحب، لولا يد والدي التي وضعت على كتفي فجأة.

قال والدي والهدوء القاتل يعود لصوته: “الستر هو ستر النفوس يا سعاد. وعشان الستر ده، أنا قررت النهاردة قرار، ومش هيرجع فيه إلا الموت.”

فتح والدي الملف، وأخرج ورقة رسمية مختومة بختم النسر.

“الأرض اللي كنتم بتخططوا تاخدوها، والبيت اللي إحنا قاعدين فيه ده، وكل نصيبي في المحلات.. أنا كتبتهم لـ ‘إيمان’ بيع وشراء نهائي من الأسبوع اللي فات.”

سقطت الشوكة من يد نيرمين. أمي تراجعت للخلف كأنها تلقت صفعة، وشريف وقف مذهولاً: “نعم؟ يعني إيه يا عمي؟ وحق نيرمين؟”

والدي نظر إليهم باحتقار: “حق نيرمين خدته في شقتها وعربيتها وجهازها اللي كلفني الملايين،

ولسه بتطمع في الباقي. أما إيمان، اللي كنتم بتطردوها من ورا ظهري وتفهموني إنها هي اللي مش عاوزة تيجي، فدي اللي شالتني لما كنت بعمل العملية السنة اللي فاتت وأنتم كنتوا بتصيفوا في الساحل. دي اللي كانت بتكلمني كل يوم تسأل على علاجي وهي مش حيلتها غير مرتبها البسيط.”

أمي صرخت: “أنت اتجننت يا عبد الحميد؟ بتكتب كل حاجة لبنتك المطلقة وتصغرنا؟”

رد والدي بقوة: “أنا بصغر النفوس الصغيرة! ومن اللحظة دي، إيمان هي صاحبة البيت. اللي مش عاجبه وجودها، أو شايف إن بنتها ‘دوشة’، الباب يفوت جمل. والفيلا دي، إيمان هي اللي تقرر مين يدخلها ومين يخرج منها.”

نظرتُ إلى والدي بذهول. لم أكن أريد أموالاً ولا عقارات، كنت أريد فقط ألا أشعر بأنني “عبء”. التفتُّ إلى نيرمين التي كانت تبكي من الغل، وإلى أمي التي تجمدت ملامحها من الصدمة.

نهضتُ من مكاني، وبهدوء لم أعهده في نفسي، أخذتُ طبقاً فارغاً ووضعتُ فيه حبة “محشي” وقدمتها

لابنتي ليلى التي كانت تنظر إلينا بتعجب.

قلت بصوت واثق: “كلي يا ليلى.. كلي يا حبيبتي، ده بيتك.. ومحدش في الدنيا يقدر يقولك اطلعي بره تاني.”

والدي جلس على الكرسي وقال: “يلا يا سعاد، غدينا.. ولا مفيش أكل لصاحبة البيت؟”

في تلك الليلة، انقلبت الطاولة حرفياً. شريف انسحب هو وأهله بعد أن ضاع “حلم الأرض”، ونيرمين غادرت وهي تتوعد، أما أمي، فقد دخلت غرفتها وأغلقت الباب وهي لا تصدق أن ابنتها التي كانت تعاملها كـ “خادمة” أو “تكملة عدد”، أصبحت هي الآمرة والناهية.

بقيتُ أنا ووالدي وليلى. مسح والدي على رأسي وقال: “يا بنتي، الحق مبيضعش، وأنا كنت ساكت بس عشان أشوف وشوشهم الحقيقية.. النهاردة بس، عرفت مين اللي يستاهل يشيل اسمي.”

خرجتُ من الفيلا في نهاية السهرة، ليس كالمطرودة الكسيرة، بل كإنسانة استردت كرامتها قبل حقها. ركبتُ سيارتي، ونظرتُ إلى ليلى النائمة في المقعد الخلفي، وقلتُ في سري: “نامي يا بنتي.. العاصفة

انتهت، والنهاردة بس بدأنا نعيش.”

تمت.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى