
وش معنى إن الفيلا ما عادت باسمي أصلًا؟
وصلني صوت خالد مكسورًا، كأنه لأول مرة في حياته وجد بابًا لا يُفتح بالغضب.
كنت واقفة على سطح السفينة، وهواء جدة يحرّك شعري، والشمس ترتفع ببطء فوق البحر الأحمر.
في الأسفل، قرب الميناء، بدأت السيارات تصطف، وبعض المسافرين يسحبون حقائبهم، وكأن العالم كله قرر أن يبدأ من جديد معي.
نظرت إلى البحر.
لم أجب بسرعة.
معناها بالضبط كذا يا خالد.
سمعت ريم تصرخ من الطرف الآخر
قول لها لا تسوي نفسها قوية! عندنا رحلة!
ومن بعيد عاد الببغاء يصرخ
عجوز كسولة!
كدت أضحك.
مسكين هذا الطائر.
حتى هو لم يكن ذنبه أنه يكرر ما يسمعه في ذلك البيت.
قال خالد
يمّه وش سويتي؟
قلت بهدوء
رتّبت حياتي.
صرخ
الفيلا كانت لي!
اختفت ابتسامتي.
لا يا خالد. الفيلا كانت لي ما دمت حيّة. أنا وأبوك دفعنا ثمنها من عمرنا، من تعبنا، من الليالي الطويلة، من الحساء المعاد تسخينه، ومن كل مرة منعنا أنفسنا من شيء لأنك كنت تحتاج مدرسة، وسيارة، وزواجًا، ثم دفعة بسيطة لمشروعك.
ساد الصمت.
قال بصوت منخفض
أبوي كان يبي
قاطعته
أبوك كان يبي ما أبقى وحدي وكتب هذا بوضوح.
أمسكت بحاجز السفينة.
تحركت السفينة قليلًا.
كان البحر أمامي أزرق واسعًا، جميلًا بطريقة تكاد تكون غير عادلة.
تذكرت أبا خالد في أشهره الأخيرة، ويديه الضعيفتين تبحثان عن يدي في الليل.
هو كان يعرف عن الرحلة.
أخبرته ذات ليلة، بعدما خفّت حرارته واستطاع أن ينظر إليّ بصفاء.
قال لي
روحي يا نورة أنا أخذت من عمرك كثير. خلي البحر يرجّع لك اللي أخذته منك الجدران.
بكيت وقتها.
أما الآن فقد بكيت بما يكفي.
قلت
في الظرف نسخة من الوصية. ونسخة من الصك المحدّث.
قال خالد مرتبكًا
مكتوب هنا إنك نقلتِ الفيلا.
ما نقلتها كاملة. جعلتها ضمن وقف عائلي، ولي حق السكن والانتفاع طوال حياتي.
تمتم خالد بكلام غاضب.
مين دخل هالأفكار في راسك؟ أم فهد؟ ولا أحد من المسجد؟
قلت
موثق شرعي، ومحاميتان، وعقلي الذي تجاهلتموه طويلًا.
انتزعت ريم الهاتف منه.
قالت بحدة
يا أم خالد، هذا تصرف غير منطقي. أنتِ في فترة حزن، وما تعرفين وش تسوين. لما ترجعين، نجلس ونتفاهم بهدوء.
قلت
ما راح أرجع قريب.
كيف يعني؟
نظرت نحو الميناء، نحو البحر، ونحو النوارس التي كانت تدور فوق الماء.
لأول مرة منذ سنوات، لا أحد ينتظرني لأحضّر الفطور.
قلت
الرحلة مدتها سنة.
سمعت صوت شيء يقع.
ربما الهاتف.
وربما أحد الأقفاص.
عاد خالد إلى الخط، وصوته بالكاد يخرج
سنة؟ يمّه ما تقدرين. والكلاب؟ والقطة؟ والببغاء؟
قلت
الكلاب لك. والقطة لك. والببغاء، للأسف، لك أيضًا.
عندنا رحلة للمالديف.
الله يسهل عليكم.
يمّه!
قلت بهدوء
خالد، أبوك توفي قبل أسبوع. أمس تركت في صالتي ثلاثة أقفاص وقائمة
تعليمات كأنني موظفة مقيمة عندكم. اليوم اكتشفت أنني لست كذلك.
قال
لا تكبرين الموضوع.
تلك الكلمة.
مرة أخرى.
أكبر الموضوع حين أتعب.
أكبر الموضوع حين أطلب المساعدة.
أكبر الموضوع حين كان أبو خالد يحتاج رعاية طوال الليل، وأنا أحتاج فقط ساعتين نوم.
أكبر الموضوع حين كان ظهري يؤلمني من حمل رجل أثقل من حزني.
تنفست بعمق.
سمعت صوتًا لطيفًا خلفي
نورة، آسفة أقاطعك القهوة بدأت في المطعم.
كانت أمينة، أرملة من جدة تعرفت إليها عند الصعود إلى السفينة.
امرأة في السبعين، تضع أحمر شفاه هادئًا، وضحكتها كأنها جرس صغير.
أشرت لها أنني قادمة.
سمع خالد الصوت.
مين معك؟
قلت
ناس لا يتركون عندي حيوانات بلا إذن.
قال
يمّه، ما تقدرين تسوين فيني كذا.
قلت
سويتها.
ثم أغلقت الخط.
وأغلقت الهاتف لأول مرة منذ عقود.
وكان الصمت نظيفًا لدرجة أخافتني.
لم يدم طويلًا.
عند التاسعة، بعدما ابتعدت السفينة عن ميناء جدة وصارت المدينة تبدو خلفي كخط أبيض بعيد، فتحت الهاتف فقط لأرى إن كانت حفيدتي الكبرى قد كتبت.
لم تكتب.
لكن كان لدي سبعة وأربعون رسالة.
خالد يهدد.
ريم تهاجم.
وحفيدتي تسأل إن كان صحيحًا أنني تركت العائلة وسافرت أتمشى في سفينة.
آلمني ذلك.
طبعًا آلمني.
فالمرأة لا تتوقف عن كونها جدة فقط لأنها تعلمت أن تكون إنسانة.
لكن كانت هناك رسالة أخرى.
من أم فهد.
دخلت
الفيلا مع الفني مثل ما قلتي. الحيوانات بخير. الطبيب البيطري جاي بعد ساعة. خالد عامل إزعاج عند الباب. والمحامية وصلت.
ابتسمت.
أم فهد كانت تعرف عن الرحلة.
ليس من البداية، لكن منذ احتجتها شاهدة.
صديقتي حملت غضبي حين لم أكن أستطيع حمله.
أما المحامية، فكانت لطيفة الغامدي، امرأة بشعر قصير، وصوت هادئ، ونظرة لا تترك ثغرة.
هي التي ساعدتني على مراجعة الأوراق عندما بدأ خالد، قبل وفاة أبيه بشهرين، يسأل كثيرًا عن الفيلا.
في البداية كان سؤاله عابرًا
يمّه، وين تحفظون الصكوك؟
ثم أصبح عمليًا
عشان نختصر الإجراءات، الأفضل كل شيء يكون باسمي.
ثم صار واضحًا
أبوي ما عاد يقدر يقرر وأنتِ بعد ما تتحملين مسؤوليات كبيرة.
في ذلك اليوم كان أبو خالد نائمًا في الصالة، بجانبه جهاز الأكسجين وغطاء خفيف فوق ساقيه.
لكنه فتح عينيه ونظر إليّ.
وفهمت.
بعد أسبوع ذهبت إلى الموثق.
لم أذهب وحدي.
ذهبت ومعي عصاي العاطفية أم فهد.
وقّع أبو خالد ما استطاع أن يوقّعه بيد مرتجفة.
وترك رسالة لخالد.
وأنا تركت رسالة أخرى.
الفيلا ستبقى محمية.
أعيش فيها إن أردت.
وإن لم أرد، أستطيع أن أغيب دون أن يبيعها أحد، أو يؤجرها، أو يقتحمها، أو يحوّلها إلى فندق للحيوانات.
وعندما أموت، تتحول إلى جمعية خيرية أسستها أنا ولطيفة باسم بسيط
بيت نورة.
مكان مؤقت لنساء كبيرات في السن اعتنين
بالجميع، ثم وجدن أنفسهن بلا غرفة حقيقية تخصهن.
خالد سيحصل على شيء.
صندوق.
فيه رسائل من أبيه، وصور عائلية، وجملة موثقة أصرت لطيفة
-
قصة كنت نازلة في فندق جزء 1 حكايات زهرةمنذ أسبوعين
-
قصة روحت عزومة عيلة أختيمنذ 3 أسابيع
-
قصة الجرسونة والمليونيرمنذ 3 أسابيع
-
قصة وافقت اتجوز راجل عجوز وغني عشان انقذ أميمنذ 4 أسابيع







