Uncategorized

أطلق سراح أبي وسأجعلك تمشي

وقت! ولم! لتختلق المزيد من الأكاذيب! صرخ أحدهم من الصفوف الخلفية.
دعوها تحاول على الأقل المشهد مسل أضاف آخر فانفجرت موجة من القهقهات.
في الخلف انحنى أحد الصحفيين نحو زميله وهمس بصوت مرتفع بما يكفي ليسمعه كثيرون
ستكون هذه مادة صحفية مذهلة. طفلة واهمة تقاطع جلسة المحكمة بوعد سخيف. سيشتعل الأمر في مواقع التواصل.
كانت جدة سيسيليا تبكي في صمت تخفي وجهها بين يديها. كانت تريد أن تحمي حفيدتها أن تسحبها من هناك فورا لكنها شعرت بالعجز التام عن الحركة.

أما رودريغو فكانت الدموع تسيل بلا خجل على وجهه. يراقب ابنته تسحق أمام جمهور قاس ويشعر بكل ضحكة كأنها طعنة.
حاول أن ينهض مجددا صوته مبحوح يائس
سيسيليا أرجوك عودي يا ابنتي. لا تؤذي نفسك هكذا.
لكن الحراس شدوا قبضتهم عليه أكثر هذه المرة وهمس أحدهم بنبرة تهديد
ابق هادئا أو سنطردك من القاعة.
انحنى رودريغو إلى الأمام وهو ينتحب.
لم يعد يهتم بالحكم ولا بسنوات السجن التي تنتظره. لم يعد يعنيه إلا ابنته وكان يشاهدها تسحق أمام عينيه.
أخذ والتر نفسا عميقا مستعدا لإنهاء هذه المهزلة نهائيا.
رفع المطرقة على وشك أن يضرب بها الخشب ليعيد النظام لكن عندما هم بتحريك يده حدث شيء أوقفه.
وخز خفيف بالكاد محسوس في ربلة ساقه اليسرى.

تجمد مكانه.
اتسعت عيناه لجزء من الثانية قبل أن يجبر نفسه على ضبط ملامحه.
لم يكن هذا ممكنا. لابد أنه مجرد إيحاء ذهني خدعة نفسية سببها الضغط الغريب لهذا الموقف.
لكن الوخز استمر ثم اشتد.
أغمض والتر عينيه بقوة محاولا طرد الإحساس.
حين فتحهما ثانية التقت عيناه بعيني سيسيليا.
كانت الطفلة تنظر إليه بعينيها الكبيرتين الممتلئتين بثقة لا تتزعزع
إنه يحدث أليس كذلك همست بصوت لا يكاد يسمعه سواه.

لم يجب. لم يستطع.
كان حلقه خانقا.
حول نظره إلى الأوراق أمامه متشبثا بها كأن روتين القراءة والبروتوكول نقطة التعلق الأخيرة بعالمه القديم.
سنواصل المحاكمة أعلن بصوت حاول أن يكون صلبا.
سيتم نقل رودريغو سانتوس فورا إلى مركز الاحتجاز المؤقت حيث سي
لماذا فعل أبي ذلك
قطعت كلمات سيسيليا جملته.

لم تكن صرخة. كانت سؤالا بسيطا مباشرا لكنه محمل بألم غائر جعل القاعة تصمت فورا.
قطب والتر جبينه
ماذا قلت
لماذا اختلس أبي هذا المال أعادت وهي تلتفت بنظرها إلى الحضور. هل يعرف أحد هل سأل أحد
مسح المدعي العام رجل ضخم ذو نظارات سميكة حنجرته وقال بنبرة متعالية
صغيرتي الدوافع لا تهم. الجريمة جريمة.
بل تهم ردت سيسيليا وقد ارتفع صوتها. أمي كانت مريضة. كان عندها سرطان والأدوية كانت غالية جدا. المستشفى الحكومي لم يكن فيه ســ,رير شاغر وكانت تموت.
همهمة أخرى دارت في القاعة.

بعض الوجوه التي كانت تسخر منذ قليل بدت الآن منزعجة.
حاول رودريغو التدخل صوته متهدم
سيسيليا لا داعي
لكنها بقيت هي نفسها الطفلة اللطيفة التي تفضل اللعب مع من يتجنبهم الآخرون.
لاحظت معلمتها شيئا خاصا فيها
حكمة وتعاطف يتجاوزان عمرها.
حين ضبط أحد التلاميذ يسرق وجبة زميله همت المدرسة بمعاقبته بسرعة لكنها توقفت.
تذكرت قصة سيسيليا وسألت الصبي أولا
لماذا فعلت ذلك
اعترف الصغير بخجل

أن لا طعام في البيت. وأن والديه بلا عمل. وأنه كان جائعا.
لم تطرده المدرسة بل نظمت حملة غذائية لأسرته وسجلته في برنامج التغذية المجانية.
بكى الصبي من شدة الامتنان ولم يسرق بعدها شيئا.
عانقت سيسيليا معلمتها بعد ذلك وهمست
هل تعلمت ما تعلمته أنا أن لكل شخص حكاية
أجابت المعلمة بعينين دامعتين
نعم تعلمته منك أنت.
أما والتر فقد عرف التحول الأعمق على الإطلاق.
جسديا كانت عودته للمشي تدريجية ومؤلمة.
جلسات العلاج الطبيعي كانت قاسية لكنه تحملها لا ليعود إلى المشي فقط بل لأن كل خطوة كانت رفضا جديدا لمرارة الماضي.
اتصل بزوجته السابقة وهو أمر أقسم أنه لن يفعله يوما.
التقيا في مقهى هادئ.
لأول مرة منذ سنوات اعتذر اعتذارا حقيقيا لا كلاما فارغا.
اعترف لها كيف مزقته مرارته وكيف صب قسوته عليها وعلى كل من حوله وكيف اختار الظلام بدلا من محاولة البحث عن بصيص نور.
بكت هي. بكى هو.
لم يعودا زوجين فبعض الأشياء حين تنكسر لا تعود كما كانت. لكنهما تصالحا.
قالت له جملة ظل يحملها في قلبه
أنا فخورة بالرجل الذي أصبحته الآن. استغرق الأمر وقتا ومعجزة لكنك وجدت طريقك أخيرا.
في المحكمة لم يعد والتر معروفا بقسوته بل بحكمته الرحيمة.
لم يكن يبرئ المذنبين عشوائيا فهذا نوع آخر من الظلم لكنه صار ينظر وراء الجريمة ليرى الإنسان.
ينظر في الظروف ويحاول إيجاد حلول تخدم العدالة والإنسانية معا.
بدأ قضاة آخرون يأخذونه مثالا.
صار المدعون العامون والمحامون يتعاونون أحيانا على حلول مبتكرة لا تعتمد على السجن فقط.
تغير جزء من النظام القضائي في تلك المنطقة ببطء لكنه تغير متأثرا برجل وقف من كرسيه ووقف من قسوته أيضا.
بعد عام كامل من اليوم الذي بدأ فيه كل شيء نظم tribunal جلسة خاصة ليست لمحاكمة بل لمراسم تكريم.
كانت القاعة ممتلئة مجددا لكن هذه المرة بوجوه مختلفة
ناس أعيدت دراسة قضاياهم فخففت أحكامهم أو تحولت إلى عقوبات بديلة سمحت لهم بإعادة بناء حياتهم.
كانت السيدة ماتيلدي هناك.
ابنها الذي اجتاز علاج السرطان يقف بجوارها خجولا.
تعمل الآن متطوعة في منظمة لمساندة مرضى السرطان تحول ألمها رسالة أمل.
كان هناك شاب سجن سابقا لتخريب ممتلكات عامة في لحظة غضب مراهق.
استبدلت عقوبته بالسجن بعمل قومي يرسم الجداريات في المدارس.
اليوم هو فنان معروف يدرس الرسم للأطفال الفقراء.
ومن بينهم من اختلس أموالا لعلاج والده ومن سرق طعاما في فترة بطالة
كلهم حصلوا تحت عين جديدة لوالتر على فرصة للإصلاح بدل الفناء في السجن.
وكانوا جميعا هناك لهذا اليوم.
دعيت سيسيليا التي بلغت الآن التاسعة إلى وسط القاعة.
مشت بنفس تواضعها المعتاد لكن مع قوة داخلية لم يعد أحد يشك فيها.
قال رئيس المحكمة رجل مسن ذو سمعة ناصعة وهو يلتفت إليها
يا سيسيليا قبل عام فعلت شيئا تحدى كل ما كنا نعرفه عن الشجاعة والإيمان والحب.
وقفت أمام هذا tribunal وطالبت بعدل حقيقي ليس لأبيك فقط بل لنا جميعا.
ابتلع دموعه ثم أكمل
لذلك وباسم هذه المحكمة وهذه المدينة نمنحك شهادة شرف المواطن. لا بسبب المعجزة الجسدية التي حدثت رغم عظمتها بل بسبب المعجزة الأخلاقية التي أيقظتها فينا.
انهمرت التصفيقات.
نهض الجميع واقفين.
أخذت سيسيليا الشهادة بيديها الصغيرتين نظرت إليها بعينين دامعتين ثم قالت شيئا لم يتوقعه أحد
شكرا لكم لكنني لم أصنع المعجزة.
المعجزة كانت موجودة دائما أنا فقط ذكرت الناس أن يؤمنوا بها.
اخترقت عبارتها القلوب جميعا.
كان رودريغو الذي يتابع من الصفوف بجوار جدته يبكي فخرا.
ابنته الصغيرة البسيطة قلبت عالمهم وعالم كثيرين. لا لأنها ملكت قوة خارقة بل لأنها رفضت التخلي عن الأمل.
كان والتر آخر من تحدث في هذا اليوم.
تقدم إلى المنصة دون مساعدة وحدق طويلا في الوجوه أمامه
وجوه من أدانهم سابقا وجوه من أنقذهم لاحقا وجوه من سامحوه ومن حكموا عليه في قلوبهم.
قبل عام قال بصوت مفعم بالتحكم لكن مشحونا بالعاطفة كنت رجلا محطما. محطما جسديا لكن قبل ذلك روحيا وأخلاقيا.
سمحت لألمي أن يحولني إلى ما لم يكن ينبغي أن أكونه أبدا قاضيا بلا رحمة إنسانا بلا أمل.
نظر مباشرة إلى سيسيليا
ثم جاءت طفلة في الثامنة وذكرتني بشيء نسيته أن القوة الحقيقية ليست في عدم الانحناء بل في القدرة على التغير على الإيمان من جديد على رؤية ما وراء الظاهر للعثور على الاستثنائي في كل إنسان.
ارتجف صوته قليلا
لم تجعلني سيسيليا أمشي فقط علمتني أن أسير من جديد في الحياة بكرامة بتعاطف بإنسانية. ولن أستطيع شكرها أبدا بما يكفي.
التفت إلى الحضور
لكن اليوم ليس عني بل عنا جميعا. عن ما نفعله بالفرص الثانية التي نمنحها.
كل من هنا تلقى فرصة ثانية بشكل من الأشكال. أنا تلقيتها رودريغو تلقاها كل من لمسته هذه القصة تلقى فرصة لإعادة النظر.
رفع يديه كأنه يحتضن القاعة بنظره
والسؤال هو ماذا سنفعل بها
هل سنعود إلى طرقنا القديمة حين لا يرانا أحد أم سنختار كل يوم أن نؤمن بأن الناس أكثر من أسوأ أخطائهم أن الخلاص ممكن وأن الحب أقوى من الحكم
ساد صمت مقدس.
أنا اخترت أن أؤمن قال والتر أخيرا وصدى كلماته يتردد.
وطالما بقيت على هذا المنبر وطالما استطعت المشي إلى هذه القاعة سأذكر نفسي دائما بالطفلة التي ركعت أمامي وعلمتني أن المعجزات تحدث عندما نجرؤ على الإيمان بالمستحيل.
لم يصفق أحد فورا.
بعض الحقائق أكبر من أن تستقبل بالتصفيق. تحتاج إلى أن تهبط أولا كغبار من ذهب على أرواح عطشى.
ثم بعد لحظات بدأ شخص واحد بالتصفيق ثم آخر ثم ثالث حتى نهض الجميع واقفين يصفقون ليس فقط لوالتر بل لكل ما تمثله تلك اللحظة
التغيير الغفران الأمل.
ركضت سيسيليا نحو والتر ووقفت بجانبه ورفعت نظرها إليه والدموع تلمع في عينيها.
انحنى هذا القاضي الطويل الذي تعلم أخيرا أن يقترب من قلوب الناس وربت على كتفها بحنان صادق.
وانضم إليهما رودريغو فوقف الثلاثة في وسط القاعة متجاورين في المكان ذاته الذي شهد قبل عام على السخرية والمهانة.
هذه المرة كان المكان يشهد على شيء لا قانون يحيط به
الحب الإيمان الخلاص.
في اليوم التالي تصدرت صورة هذا العناق الصفحات الأولى في الصحف.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى