عام

قصة عقد جواز علي ورق دايب

رجع يكتب ويدور في السيستم، ويهز راسه يمين وشمال، وبعدين حط الورق على المكتب وقال بمنتهى البساطة اللي تقطع الخِلف: – «غريبة والله.. السيستم عندي بيقول إن الأستاذ أحمد عبد الرؤوف أعزب، وحضرتك آنسة ومفيش أي وثيقة جواز مسجلة بالبيانات دي نهائي في مصلحة الأحوال المدنية!»

ندى ضحكت بصوت واطي افتكرته بيهزر أو إن السيستم مهنج زي العادة: – «يا فندم أكيد الشبكة واقعة عندكم ولا الأرقام متلخبطة! اتفضل، دي صورة العقد الرسمية أهي اللي واخدينها يوم الفرح ومختومة بختم النسر وموثقة!»

الموظف مسك صورة العقد، وبص على القفل والختم الأحمر اللي في الجنب، ملامحه اتغيرت فجأة.. الضحكة راحت من وشها لما شافت أسلوبه وهو بياخد نفس عميق، وقام من على كرسيه وقالها: – «استني هنا يا مدام وما تتحركيش.. ثواني ورادلك.»

دخل مكتب رئيس القلم جوة، وندى واقفة في الصالة وسط الزحمة حاسة بركبتها بتخبط في بعضها.. الدقايق كانت بتعدي كأنها سنين.

بعد عشر دقايق، الموظف خرج ومعاه مدير السجل المدني بنفسه، راجل كبير في السن وشعره أبيض، ماسك صورة العقد في إيده وبيقلبها بين صوابعه بتمعن.

المدير بص لندى وقال بصوت واطي وراسي عشان محدش من الناس يلاحظ:

– «تعالي معايا يا مدام على المكتب جوة لو سمحتي.»

للكاتبة نرمين عادل همام

دخلت ندى والدم هرب من وشها، أول ما قفلت الباب، المدير قعد على كرسيه وشاور لها تقعد وقال:

– «يا بنتي.. العقد ده مزور.»

ندى اتنفضت من مكانها وصرخت بذهول:

– «مزور يعني إيه؟! أنت بتقول إيه يا أستاذ! أنا عملت فرح في قاعة محترمة، وأبويا الله يرحمه قعد وحط إيده في إيد جوزي والمأذون طالع من الحارة عندنا وكل الناس حضرت إزاي مزور؟!»

المدير هداها بطلب كباية مية، وفتح الملف اللي قدامه وقال بصراحة تقطع القلب:

– «يا مدام اهدي واستوعبي الكلام.. الختم اللي على العقد ده ختم مضروب، ورقم التوثيق المكتوب فوق ده يخص محافظة تانية خالص! العقد ده ملوش أي أصل في دفتر الشهر العقاري ولا مكاتب التوثيق.. يعني بالقانون كده، أنتي مش متجوزة، وأحمد ده مفيش بينك وبينه أي رباط شرعي مسجل!»

الكلمات نزلت على ندى زي مية النار! الدنيا لفت بيها، الصالة، الكراسي، صور الرئيس على الحيطة، كله بقى يلف في دوار أسود.. خرجت من السجل المدني مش حاسة برجليها وهي بتاطأ الأرض.. شريط الـ 8 سنين كله بيعدي قدام عينها في ثواني:

ليلة الفرح والزغاريد.. فرحة أبوها الله يرحمه وهو بيسلمها لأحمد.. شقتهما اللي تعبوا في موضتها.. ليلة ما جابت “جنى”.. وليلة ما شالت “ياسين”.. معقول كل ده كان تمثيلية؟ كل ده كان ورقة بيضا مالهاش قيمة؟!

وصلت العمارة في شبرا، طلعت السلم وهي بتتخبط في جدرانه.. فتحت الباب بالمفتاح، كان أحمد قاعد في الصالة ماسك اللاب توب وبيشتغل. أول ما شاف وشها أصفر وجسمها بيرتعش، قام خايف:

– «ندى! مالك يا حبيبتي في إيه؟! وشك أصفر ليه كده؟ السجل كان زحمة ولا إيه؟»

ندى ما نطقةش كلمة.. رفعت إيدها وهي بترتعش، وحطت صورة عقد الجواز المزور على الترابيزة قدامه!

أحمد بص للورقة.. وفي لحظة، ألوانه اتخطفت! اللاب توب كان هيقع من إيده، وعينيه زُاغت بين الورقة وبين وش مراته!

ندى بصتله بنظرة تقطع النفس وقالت بصوت طالع بالعافية من الزور:

– «فهمني.. الورق ده إيه؟ والموظف في السجل المدني بيقولي أنتِ مش متجوزة ليه؟!»

أحمد بلع ريقه وصوته اتقطع:

– «ندى.. اصبري بس.. أنا هفهمك كل حاجة.. والله العظيم الموضوع…»

قاطعت بصوت هز أركان وصرخة خرجت من قلبها:

– «تفهمني إيه يا أحمد؟! تفهمني إني عايشة معاك 8 سنين في الحرام؟! تفهمني إن عيالي دول في نظر الدولة مالهمش أب مسجل؟! أنطق قول حاجة!»

– «قبل ما تروحوا المحاكم وتفضحونا.. الظرف ده كان عند جوزي الله يرحمه قبل ما يموت، وأنا خبيته في الدولاب.. لأن المأذون قالنا توثيق الجواز محتاج كتب كتاب جديد بحضور ندى وموافقتها، وأنا خفت ندى تعرف إن العقد الأولاني متوثقش فتبوظ الجوازة وتأخد العيال وتمشي!»

المحامي فتح الظرف ولقى ورقة مكتوبة بخط يد أبوه المرحوم يتعهد فيها بتوثيق عقد الجواز فور انتهاء الخلاف المالي وسداد الدين مع والد ندى.

سامح أخويا اتصدم وقرأ الورقة، وبعدين بص لحماتي بذهول وغضب شديد:

– «المبلغ ده أبويا الله يرحمه سدده بالكامل لجوزك قبل ما يموت بأسبوع! وإيصال الاستلام والكمبيالات الملغية والموقع عليها جوزك معايا في البيت في وسط ورق أبويا من زَمَان!»

أحمد بص لأمه بصدمة عمره، وعينيه اتوسعت بذهول وصرخ فيها في نص السجل المدني:

– «يعني الفلوس اتدفعت من 8 سنين وحميا الله يرحمه سددها قبل ما يموت وأنتِ كدبتِ عليا وقُلتِ لي الفلوس ما جتش؟! يعني أنا بيتي وحياتي وسيبت مراتي عايشة في وهم وخوف بسبب كدبة منك عشان ترضي جشعك؟! مسحتِ بكرامتي الأرض قدام الناس!»

الحاجة فاطمة في البكاء ونزلت رأسها في الأرض:

– «كنت خايفة يا بني بيتكم وتعرف إننا استغفلناها من الأول وتطلب !»

رد عليها أحمد بصوت ويقطر وجع:

– «لا يا أمي.. أنتِ خربتيه بأنانية وكدب ومسحتي بكرامتي الأرض، وحرمتيني من مراتي وعيالي!»

لف أحمد ناحيتي وهو بيعيط وقال:

– «والله العظيم يا ندى لو كنت أعرف إن أبوكي الله يرحمه سدد الفلوس زمان، كنت أخدتك في ساعتها ورحنا للمأذون ووثقنا العقد رسمي وعملنا كتب كتاب جديد.. حقك عليا ورأسك فوق راسي!»

بصيت له بهدوء وثبات يقطع القلب وقُلت له:

– «حتى لو أمك كدبت عليك واستغلت إن أبويا وراحت عليه الأيام.. أنت كدبت عليا واستسهلت الخوف والجبن 8 سنين كاملين يا أحمد.. كنت بتنام كل ليلة جنب مني وأنت عارف إن مالهاش صفة رسمية تحميني.. الثقة لما ما بيلحمهاش الاعتذار ولا !»

المحامي بدأ إجراءات رفع دعوى إثبات الزواج والنسب في محكمة الأسرة.. وأحمد أقر قدام القاضي بكل حاجة وبصحة الإشهار والعقد العرفي القديم، وتنازل لندى عن الشقة وسجل لها كل حقوقها ومؤخرها عشان يرد لها جزء من كرامتها قدام أهاليتها.

وبعد عدة جلسات ومتابعة دقيقة، أصدرت المحكمة حكمها النهائي بثبات الزواج وتاريخه من 8 سنين، وبناءً على الحكم تم استخراج شهادات ميلاد كمبيوتر جديدة وموثقة للأبناء، وقيد عائلي سليم لا غبار عليه.

بعد صدور الحكم بثلاثة أسابيع، اتصل المحامي وقال:

– «الورق كله جاهز وقانوني 100%، فاضل خطوة واحدة أخيرة.. تروحوا للمأذون لتوثيق العقد الرسمي واستلام القبالة بالختم الرسمي.»

للكاتبة نرمين عادل همام

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى