منوعات

قصة بعد أن وضعت مولودها مباشرة

كان ينمو بصحة ممتازة بعينين صافيتين وقلب لم يعرف الخوف بعد. يضحك كثيرا يمد يديه نحوها بثقة مطلقة وكأن وجودها وحده ضمان كاف. حين يناديها أمي كانت الكلمة  في قلبها أثقل من أي لقب وأغلى من أي منصب. كانت تعلم دون أن تقال أن العالم ما دام بين يديها سيكون آمنا له.
وأما جيسون
فلم يبق له سوى الندم.
تنقل بين وظائف مؤقتة لا تدوم علاقات فاشلة تنتهي قبل أن تبدأ وليل طويل لا ينتهي مهما أشرقت الشمس. كان يعيش على الهامش يراقب الحياة تمر دون أن يشعر أنه جزء منها. كان يرى اسم صوفيا في الأخبار في افتتاح المستشفيات في المبادرات الإنسانية في العناوين الكبرى في كل مكان

.
وكان يتذكر كل مرة تلك اللحظة الوحيدة التي انكسر فيها كل شيء. لم يحمل العالم ذنبه ولم يلع الحظ. في أعماقه كان يعرف الحقيقة
لم يخسر لأنها كانت قوية
بل لأنه كان أعمى.
بعد عامين صار اسم صوفيا رمزا للقوة الممزوجة بالرحمة. لم تعرف  لأن  لا يترك أثرا دائما. عرفت بعدالتها بثباتها بقدرتها على تحويل الألم إلى نظام يحمي الآخرين. لم ترفع صورتها كضحية خرجت من تحت الركام بل كصانعة قرار اختارت أن تبني لا أن .
لكن بعض الناس لا يتعلمون
ولا يفهمون أن الفرص لا تمنح مرتين.

في إحدى الليالي وخلال حفل خيري كبير امتلأت القاعة بالأضواء والكاميرات. كانت صوفيا واقفة بثبات محاطة بالتصفيق حين ظهر جيسون من بين الحضور. كان شاحبا نحيلا بعينين غارقتين في التعب كأن الحياة مرت عليه مرارا ولم تترك له سوى آثارها.
توقفت الكاميرات.
تجمد المكان.
ركع أمامها أمام الجميع وكأنه يضع ما تبقى من كرامته على الأرض. لم يكن في ركوعه مسرحية بل انهيارا كاملا.
لم يبق لي شيء قال باكيا.

أريد رحمتك
نظرت صوفيا إليه من عل. لم تتراجع خطوة ولم تتقدم خطوة. لم تشعر بالانتصار لأن الانتصار كان قد تحقق منذ زمن. ولم تشعر بالشفقة لأن الشفقة بلا كرامة إهانة أخرى.
انحنت قليلا ليس لتساعده على النهوض بل لتهمس بصوت لا يسمعه إلا هو
الرحمة
تمنح لمن يعرف كيف يكون إنسانا.
ثم استقامت وأدارت ظهرها وتركته هناك
راكعا في الضوء تماما كما تركها يوما وهي تنزف بلا صوت وبلا سند.
وفي النهاية
افتتح مستشفى جديد.
لم يكن الأضخم ولا الأفخم لكنه كان الأصدق.

على بابه لوحة بسيطة بلا زخرفة لكنها تحمل معنى أثقل من الذهب كتب عليها
إلى كل أم أهينت وهي تنزف
هذا المكان وجد من أجلك.
وقفت صوفيا وسط التصفيق.
لا كامرأة .
ولا كامرأة  غيرها.
بل كامرأة عرفت قيمتها
وفهمت أن القوة الحقيقية
ليست في رفع الصوت

ولا في  الآخرين
بل في أن تنهضي
وتضعي حدودا لا
وألا تسمحي لأحد
أن يطأك
مرة أخرى.

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى