
لم تكن الأرملةُ تتوقّع الكثير من الحياة بعد وفاة زوجها.
كانت قد مرّت ثلاثةُ فصولِ شتاء منذ دُفن توماس تحت الأرض المتجمّدة، ومنذ ذلك الحين بدا كلُّ يومٍ وكأنه تكرارٌ بلا غاية. كان اسمها إلينا، وكانت تعيش على أطراف قريةٍ صغيرة، حيث بدا الزمن أبطأ من أيّ مكانٍ آخر.
كانت تقبل أعمالًا متفرّقة تخيط الملابس، تنظّف البيوت، وترعى الحيوانات. لا لأنها تريد ذلك، بل لأنها كانت بحاجةٍ إلى البقاء على قيد الحياة. لم يكن المال يكفي أبدًا، وكان الطعام يشحّ أكثر مما تحب أن تعترف به.
لذلك، حين عرض عليها العجوز غريغوريو كوخًا تحت الأرض كوسيلةٍ لسداد دينٍ قديم، لم تدرِ إن كان عليها أن تضحك أم تغضب.
لا أملك مالًا قال الرجل متجنبًا النظر إليها لكن لديّ ما هو أفضل. ملجأ. آمن. مقاوم للشتاء.
عقدت إلينا حاجبيها.
كوخ تحت الأرض؟
ليس كوخًا عاديًا أصرّ غريغوريو إنه مبنيّ بإحكام. لم يستخدمه أحد منذ سنوات، لكنه ما زال قائمًا. يمكنكِ أن تعيشي فيه أو تبيعيه.
ترددت إلينا. الأرض التي تعيش عليها الآن ليست ملكها، ولم يكن سوى مسألة وقت قبل أن تُطرد منها. امتلاك شيءٍ خاص، حتى لو كان غريبًا، يعني الاستقرار.
أين يقع؟ سألت أخيرًا.
أشار غريغوريو نحو الغابة، خلف التلال.
على بُعد نصف يومٍ سيرًا. سأعطيك خريطة.
كانت الرحلة طويلة وصامتة.
سارت إلينا بحقيبةٍ خفيفة، والخريطة مطوية في جيبها. كانت الغابة كثيفة، وكانت الأشجار تهمس مع الريح. ومع تقدّمها، اختفى المسار، كأنّ أحدًا لم يمرّ من هناك منذ زمنٍ طويل.
وعندما وصلت أخيرًا، كادت لا تتعرّف على المكان بوصفه مسكنًا.
لم يكن هناك سوى بابٍ خشبيٍّ مغروسٍ في الأرض، مغطّى جزئيًا بالأوراق والتراب. ومن حوله، كانت الطبيعة قد استعادت كلّ شيء.
وقفت إلينا ساكنةً للحظة.
هذا عبث تمتمت.
لكن شيئًا في داخلها دفعها للاستمرار.
اقتربت، وأزاحت الأغصان، وسحبت
الباب. انفتح بصريرٍ طويل، كأنه يستيقظ من نومٍ عميق.
كانت هناك درجاتٌ تنزل نحو الظلام.
أشعلت إلينا مصباحًا زيتيًا وبدأت بالنزول.
كان الهواء في الداخل باردًا، لكنه لم يكن رطبًا، وهذا ما فاجأها.
كان الكوخ تحت الأرض أكبر مما تخيّلت. كانت هناك غرفةٌ رئيسية فيها طاولة خشبية، وسرير بسيط، ورفوفٌ مدمجة في الجدار. كلّ شيءٍ مغطّى بالغبار، لكنه سليم.
ربما ليس الأمر سيئًا إلى هذا الحد قالت بصوتٍ منخفض.
وضعت حقيبتها وبدأت تستكشف المكان.
كان هناك مطبخٌ صغير، ومخزن وممرٌّ ضيّق يقود إلى بابٍ مغلق.
ترددت إلينا.
لا تتذكّر أن غريغوريو ذكر غرفةً أخرى.
اقتربت ببطء وأدارت المقبض.
انفتح الباب.
وما رأته جعلها تتجمّد في مكانها.
لم تكن الغرفة مخزنًا ولا غرفة نوم بل كانت ورشة عمل.
لكنها لم تكن ورشةً عادية.
كانت الجدران مغطّاة بالرسوم. مئاتٌ منها. وجوه، مخططات، خرائط، ورموز غريبة. وفي الوسط، طاولة مليئة بأدواتٍ مجهولة وأشياء معدنية ذات أشكال غير مألوفة.
وفي زاويةٍ ما
كانت هناك صورة.
شعرت إلينا بأن الهواء اختفى من رئتيها.
كان توماس.
زوجها.
مرسومًا بدقّةٍ شديدة، حتى بدا كأنه صورة فوتوغرافية.
لا همست.
اقتربت وهي ترتجف. لمست الورقة، كأنها تنتظر أن تختفي.
لكنها كانت هناك.
حقيقية.
كيف؟
كان قلبها ينبض بعنف. حاول عقلها أن يجد تفسيرًا منطقيًا، لكن لا شيء كان مقنعًا.
لم يسبق لتوماس أن جاء إلى هذا المكان. لم يسمعا يومًا عن هذا الكوخ. فمن الذي رسمه إذن؟
والأهم من ذلك
لماذا؟
تلك الليلة، لم تنم إلينا.
جلست في الغرفة الرئيسية، تحدّق في باب الورشة، كأنها تنتظر أن يخرج منه شيء.
كان الصمت تامًا.
لكنه لم يكن صمتًا فارغًا.
بل كان صمتًا يراقب.
مع بزوغ الفجر، اتخذت قرارًا.
كان عليها أن تتحقّق.
خلال الأيام التالية، فتّشت إلينا كل زاوية من زوايا الكوخ.
عثرت على دفاتر مخبّأة في تجاويف
سرّية. كانت مليئة بالملاحظات، والتواريخ، والأسماء.
بعض الأسماء كانت مألوفة لها.
أشخاص من القرية.
بعضهم أحياء.
وآخرون لا.
وكان بينهم شيء مشترك.
جميعهم اختفوا خلال العشرين سنة الماضية.
ارتجفت إلينا.
واصلت القراءة.
كانت النصوص تتحدث عن المراقبة، وعن الأنماط البشرية، وعن لحظات الانكسار. بدا الأمر وكأنه عمل شخص مهووس بدراسة البشر.
لكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد.
كانت هناك أوصاف دقيقة لأحداث لم تقع بعد.
حوادث.
أمراض.
وفيات.
أغلقت إلينا الدفتر بعنف.
هذا مستحيل.
لكنها في أعماقها، كانت تعلم أنه ليس كذلك.
لأن أحد الأحداث المذكورة قد وقع بالفعل.
موت توماس.
التاريخ متطابق.
والتفاصيل أيضًا.
كأن أحدهم توقّعه مسبقًا.
أو تسبّب فيه.
قررت إلينا العودة إلى القرية.
كانت بحاجة إلى إجابات.
وجدت غريغوريو في منزله، جالسًا قرب الموقد.
وحين رآها، تغيّر تعبير وجهه.
عدتِ قال بتوتر.
لمن كان ذلك الكوخ؟ سألته إلينا مباشرة.
صمت غريغوريو.
أجبني.
تنهد الرجل.
لرجل يُدعى إستيبان.
من هو؟
كان باحثًا. جاء منذ سنوات طويلة. عاش منعزلًا. وكان الناس يقولون إنه غريب الأطوار.
غريب كيف؟
تردد غريغوريو.
كانوا يقولون إنه يعرف أشياء قبل أن تحدث.
شعرت إلينا بانقباضٍ في معدتها.
وماذا حدث له؟
اختفى.
اختفى أم مات؟
نظر إليها غريغوريو مطولًا.
لم يعثر أحد على جثته.
في تلك الليلة، عادت إلينا إلى الكوخ بشعورٍ ثقيل.
كان هناك شيء غير منطقي.
إذا كان إستيبان قد اختفى
فمن الذي رسم توماس بعد موته؟
عند دخولها، بدا الهواء أثقل.
تقدّمت نحو الورشة.
كان الباب مفتوحًا.
وهي متأكدة أنها أغلقته.
تسارع نبض قلبها.
دخلت ببطء.
ثم رأته.
كان هناك رسمٌ جديد على الجدار.
رسمٌ لم يكن موجودًا من قبل.
كان لها.
تقف عند مدخل الكوخ
بالملابس نفسها التي ترتديها الآن، بنفس الوقفة، بنفس النظرة حتى خصلات شعرها بدت مرسومةً كما
هي في تلك اللحظة.
تراجعت إلينا خطوة إلى الخلف، وشعرت بأن الأرض لم تعد ثابتة تحت قدميها.
لا هذا لا يحدث
همست بالكلمات، لكنها لم تُقنع نفسها بها.
اقتربت ببطء، كأنها تسير نحو شيءٍ قد ينفجر في وجهها. مدّت يدها المرتجفة، ولمست أطراف الورقة كانت باردة، حقيقية حديثة.
ليست قديمة.
ليست جزءًا من تلك الرسومات المغبرة.
هذا الرسم رُسم للتو.
سحبت يدها بسرعة، وكأنها لامست نارًا.
تسارع تنفّسها.
قلبها بدأ يخفق بعنف، حتى شعرت أن صوته يملأ المكان.
من فعل هذا؟
قالتها بصوتٍ منخفض، لكن الفراغ من حولها بدا وكأنه يبتلع كلماتها.
ثم
سمعت صوتًا.
صريرًا خافتًا.
كأن خشبًا قديمًا يتحرّك.
كأن خطوةً وُضعت بحذرٍ خلفها.
تجمّد جسدها.
لم تلتفت فورًا.
ظلّت واقفةً لثوانٍ طويلة، تحاول أن تقنع نفسها بأن ما سمعته مجرد وهم.
لكن الصمت الذي تلا الصوت لم يكن مريحًا.
كان ثقيلاً.
مراقبًا.
استدارت ببطء شديد، وكأنها تخشى أن ترى ما لا تريد رؤيته.
امتدّ ظلّ رجلٍ على الجدار، طويلاً ومشوّهًا بفعل ضوء المصباح.
لكنها كانت متأكدة
كانت وحدها.
أو هكذا ظنّت.
لقد وصلتِ أبعد من الآخرين
قال الصوت بهدوء، لكنه كان واضحًا، قريبًا أكثر مما يجب.
تجمّدت إلينا في مكانها.
لم تستطع الحركة.
لم تستطع حتى أن تبتلع ريقها.
من هناك؟
خرج صوتها ضعيفًا، بالكاد يُسمع.
تحرّك الظل.
ثم
خرج من الظلام.
رجلٌ نحيل.
ملامحه حادة، عيناه غائرتان كأنهما لم تريا النور منذ زمنٍ طويل، وبشرته شاحبة، لكن نظرته كانت ثابتة، هادئة بشكلٍ مريب.
اسمي إستيبان.
قالها وكأنه يعرّف نفسه في لقاءٍ عادي.
لكن شيئًا في صوته جعل الدم يبرد في عروقها.
شعرت إلينا بأن العالم من حولها بدأ يتصدّع.
هذا مستحيل
تراجعت خطوة أخرى، واصطدم ظهرها بالطاولة.
ابتسم الرجل ابتسامة خفيفة، لم تصل إلى عينيه.
ليس بقدر ما تظنين.
أنت ميت.
قالتها وهي تحدّق فيه، كأنها تنتظر
أن يختفي في أي لحظة.
لا
أجاب بهدوء.
أنا فقط مختفٍ.
ساد صمتٌ قصير، لكنّه كان كافيًا ليجعل المكان أكثر ضيقًا.
ما هذا المكان؟
سألته، وهي تحاول أن تستعيد شيئًا من السيطرة
-
قصة ابن الزعيم والمربية التي غيرت كل شئمنذ 4 أسابيع
-
قصة بنت عامل النظافة وسر الفلاشة اللي غير حياتهامنذ 4 أسابيع
-
قصة اتجوزت راجل أرملمنذ 4 أسابيع
-
قصة جدو أنقذني حكايات انجي الخطيبمنذ 4 أسابيع






