عام

أخاهم الفلّاح… عندما كشف الحقيقة أمام الجميع

أدركوا فجأة أن ما حدث منذ الصباح لم يكن صدفة بل امتحانا دقيقا.
وأضاف المحامي وهو يغلق الملف ببطء
الاختبار الحقيقي لم يكن المال ولا الشهادات ولا السيارات الفاخرة.
كان السؤال الوحيد من منكم مستعد لترك الثراء والنزول عن العروش الوهمية والسير مع أخيه في الوحل دون خجل أو ترفع
في تلك اللحظة تكلم كاردينغ أخيرا.
كان صوته ثابتا هادئا لا يحمل شماتة ولا رغبة في الاڼتقام بل حزما نابعا من سنوات طويلة من الصبر والكتمان.
قال
أمامكم خياران لا ثالث لهما.
إما أن توقعوا هذا المستند وتحصلوا على كامل الثروة كما هي لكن بشرط واحد
أن تغادروا هذا المكان وألا تعودوا لرؤيتنا أو لمخاطبتنا ما حييتم.
توقف لحظة ثم تابع بنبرة أعمق
أو أن تتركوا سياراتكم وتخـ،ـلعوا ملابسكم الفاخرة

وترتدوا الأحذية وتعملوا معي في الحقل شهرا كاملا.
لا امتيازات لا ألقاب لا رفاهية فقط عائلة وعرق وأرض.
ساد صمت أطول من السابق صمت لم يكن فراغا بل كان ثقلا خانقا.
لم يجرؤ أحد على الكلام وكأن الكلمات فقدت قيمتها فجأة.
نظر كل واحد منهم إلى مفاتيح سيارته الموضوعة في كفه تلك المفاتيح التي كانت قبل ساعات رمزا للنجاح والتفوق فإذا بها الآن تبدو عبئا ثقيلا شاهدة على غرور أعمى وأخطاء مؤلمة.
كانت الطاولة الخشبية القديمة في وسط الغرفة متآكلة الأطراف شاهدة على سنوات طويلة من التعب والانتظار.
اقترب ريكي أولا تردد للحظة ثم وضع مفاتيحه ببطء وكأنه يضع جزءا من ماضيه.
تبعته شيلا ويداها ترتجفان ثم بن الذي أسـ،ـقط مفاتيحه بصوت خاڤت كأن الصوت نفسه اعتراف.
واحدا تلو الآخر تراكمت المفاتيح فوق الخشب العتيق واختفى بريق المعدن أمام ثقل اللحظة.
انهار ريكي باكيا.
لم تكن دموعه دموع ضعف بل دموع انكـ،ـسار غرور طال أمده.
قال بصوت مخڼوق وهو يحدق في الأرض
لا أريد الملايين لا أريد شركات ولا مناصب.
أريد أخي الأخ الذي خسرته حين ظننت أن النجاح يجعلني أفضل منه.
مدت شيلا يدها تمسح دموعها لكن صوتها خرج مرتجفا صادقا لأول مرة منذ سنوات
علمني كيف أزرع علمني كيف أبدأ من جديد بلا ألقاب بلا أقنعة.
أريد أن أتعلم كيف تثمر الأرض لا كيف يصفق الناس.
أما بن فقد ظل صامتا طويلا ثم رفع رأسه بصعوبة وقال بصوت متهدج
العائلة أغلى من المال وأغلى من أي لقب أو منصب.
ما قيمة الأرقام إن فقدنا بعضنا
بدأ الشهر التالي مختلفا عن كل ما عرفوه.
مر شهر كامل لكنه بدا كأنه عمر آخر.
شهر من شمس حاړقة لا ترحم تستقبلهم مع أول الفجر
ومن طين يلتصق بالأقدام والملابس
ومن عمل متواصل لا يعرف ساعات الدوام ولا عطلات نهاية الأسبوع.
انحنت ظهورهم تحت ثقل السلال
وتشـ،ـققت أيديهم حتى سال منها الډم
وتقرحت أقدامهم
وسـ،ـقطت الأقنعة واحدا تلو الآخر.
تعلموا الصبر حين لا خيار سوى الاستمرار حين لا ينفع التذمر ولا يفيد الهروب وحين يصبح الصبر فعلا يوميا لا شعارا يقال.
وتعلموا معنى التعب الشريف ذلك التعب الذي ينهك الجسد لكنه يترك الروح مستقيمة مطمئنة لا يثقلها ذنب ولا يطاردها شعور زائف بالتفوق.
وتعلموا أن النـ،ـوم على جسد متعب تفوح منه رائحة العرق والتراب أصدق وأعمق راحة من النـ،ـوم على وسادة ناعمة محشوة بالأوهام والمظاهر.
شيئا فشيئا تغيرت نظراتهم إلى أنفسهم وإلى العالم من حولهم.
لم يعودوا ينظرون إلى الأرض باعتبارها عارا يخفى بل مصدر حياة يفتخر به.
لم يعودوا يرون الطين كشيء يغسل بسرعة بل كعلامة شرف على من عمل وكافح.
ولم يعودوا ينظرون إلى الفلاحين كطبقة أدنى بل كعمود صامت يحمل الجميع دون أن يطلب تصفيقا أو اعترافا.
بدأوا يفهمون أن المدن لا تقوم وحدها
وأن المستشفيات لا تبنى من فراغ
وأن الجامعات لا تقف إلا على أكتاف

من زرعوا القمح قبل أن يزرع الحجر.
وفي اليوم الأخير من ذلك الشهر الطويل وقبل أن تشرق الشمس تماما حين كان الضباب لا يزال ينساب ببطء فوق أطراف الحقول كستار أبيض يلف الأرض في صمت مهيب أخذهم كاردينغ إلى مكان لم يعرفوه من قبل.
لم يخبرهم إلى أين هم ذاهبون ولم يشرح بل اكتفى بأن يمشي أمامهم بثبات كعادته واثق الخطى مطمئن الوجه.
ساروا خلفه بصمت تتبعهم خطواتهم الثقيلة التي اعتادت الطين والوعورة لا تشبه تلك الخطوات المترددة التي جاءوا بها في أول يوم.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى