عام

تظاهر الملياردير بالسفر

وفي منطقه الملتوي بالألم والتلاعب، قرر أن الذنب لا يقع على غيابه هو أو بروده، بل على دفء المربية المفرط.
قال وهو يشد قامته ويقسي قلبه
أنتِ على حق يا غيرتروديس.
هذا ينتهي اليوم.
لن أسمح بأن يتحول بيتي إلى حيٍّ عشوائي.
هزت غيرتروديس رأسها، تخفي ابتسامة نصر وهي تسوّي مئزرها.
هذا للأفضل يا سيدي، من أجل الأطفال. علينا أن نوقف العدوى قبل أن تنتشر.
ثم سألته
أتريدني أن أستدعي الحرس ليطردوها؟
أجاب وهو يعدّل ربطة عنقه بحركة حادة
لا. سأفعل ذلك بنفسي.
أريد أن أرى وجهها حين تدرك أن أحدًا لا يعبث بعائلتي.
بقيت دونيا غيرتروديس وحدها مع التوأمين بعد أن غادر روبرتو الغرفة.
نظرت إليهما باحتقار، ثم أخرجت من جيبها منديلًا ومسحت الموضع الذي أصابته فيه لعبة نيكو.
همست بصوت بارد
ابكيا كما تشاءان أيها الشقيان لقد انتهت الحفلة.
كانت غرفة الخادمة تقع في نهاية ممر ضيق خلف المطبخ، حدًّا معماريًا يفصل بين الرفاهية والعمل.
وقفت إلينا هناك بجانب سريرها الصغير المفرد.
لم تكن قد أخرجت الكثير من أغراضها من الحقيبة، لأنها في أعماقها كانت تخشى دائمًا أن يأتي هذا اليوم.
كانت حقيبتها، وهي حقيبة قماشية قديمة بسحّاب مهترئ، مفتوحة فوق الفراش.
كانت يداها، وقد خلعت القفازات الصفراء، ترتجفان وهي تطوي ملابسها.
لم تكن تبكي لأنها طُردت.
فقد طُردت من قبل من بيوت أصحاب أعمال صعبين.
كانت تبكي لأنها كانت تسمع صرخات نيكو وسانتي تخترق جدران البيت وهي تناديها.
كل صرخة كانت كالسهم في صدرها.
كانت تعرف أن سانتي يحتاج إلى تدليك ساقيه قبل نومه، وإلا ستؤلمه عضلاته.
وكانت تعرف أن نيكو لا ينام إلا بعد أن يسمع أغنية الفيل الرمادي.
وكانت تعرف أن دون روبرتو، رغم كل ثروته، لا يعرف شيئًا من ذلك.
انفتح الباب من دون طرق.
لم يكن دخولًا بل اقتحامًا.
دخل روبرتو وملأ المكان الضيق بحضوره الطاغي وغضبه المكتوم.
شعرت الغرفة فجأة بأنها أصغر.
قال بصوت بارد
هل انتهيتِ؟
لم يعد هناك صراخ الآن، بل احتقار هادئ مدمر.
استدارت إلينا وهي تضم قميصًا إلى صدرها كأنه درع.
قالت بصوت منخفض
أنا فقط أجمع أغراضي يا سيدي أحتاج إلى بضع دقائق.
تقدم خطوة داخل الغرفة، ينظر حوله بوجه مقطب كأن الهواء هناك أقل نقاءً.
رأى رسمة مثبتة على الجدار، رسمة شمعية كان نيكو قد رسمها في اليوم السابق.
احتفظت بها إلينا ككنز.
اقتلعها روبرتو من الجدار بحركة حادة.
مزّق صوت الورق الصمت المشحون.
قال وهو يلقيها أرضًا
لا تأخذي شيئًا ليس لك.
في هذا البيت كل شيء يخص العائلة حتى ذكريات أطفالي.
شعرت إلينا بالدم يندفع إلى وجهها.
لم تكن الإهانة في المال، بل في إنكار إنسانيتها.
قالت بصوت مرتجف لكنه ثابت
نيكو أعطاني هذه الرسمة يا سيدي إنها مجرد ورقة.
ردّ ببرود
بالنسبة لك هي غنيمة دليل على أنك نجحتِ في التلاعب بهم.
ثم أخرج محفظته الجلدية من جيبه الداخلي.
فتحها وأخرج رزمة من الأوراق النقدية السميكة دون أن يعدّها.
ألقاها فوق السرير قرب الحقيبة.
تبعثرت الأوراق وسقط بعضها على الأرض.
كانت حركة محسوبة لإذلالها.
صفقة تجارية لشراء صمتها واختفائها.
قال
خذيها وغادري.
إنه راتب الشهر كاملًا إضافة إلى تعويض.
أكثر بكثير مما تستحقينه بعد العرض المقزز الذي قدمتِه في غرفة جلوسي.
نظرت إلينا إلى المال المبعثر.
كان بإمكانها أن تدفع به دواء أمها لثلاثة أشهر.
لكن في تلك اللحظة بدا المال قذرًا.
تنفست بعمق، وابتلعت كرامتها، ثم رفعت عينيها إليه.
كانت عيناها الداكنتان، اللتان غالبًا ما كانتا لطيفتين، تشعّان الآن بكرامة لم يتوقع أن يجدها في امرأة ترتدي زيًا رخيصًا.
قالت بهدوء
سيد روبرتو يمكنك أن تهينني كما تشاء.
يمكنك أن تقول إنني مبتذلة وفقيرة ولا أملك أي أناقة.
لكن لا تكذب على نفسك.
ما رأيته اليوم لم يكن سيركًا كان حبًا.
تصلب روبرتو، مستعدًا لمقاطعتها، لكن شيئًا في صوتها أوقفه.
تابعت
هذان الطفلان جائعان يا سيدي ليس للطعام الغالي أو الألعاب المستوردة.
إنهما جائعان لشخص يتمدد معهما على الأرض.
جائعان لمن يلمسهما دون أن يخاف على بدلته.
أنت تظن أنك تطردني بسبب الفوضى لكن في أعماقك تطردني لأن رؤية شخص غريب يمنحهما ما لا تستطيع أنت منحه تؤلمك.
ضرب روبرتو إطار الباب بكفه صارخًا
اصمتي!
كانت كلماتها قد أصابته في موضع الجرح.
قالت بثبات
أنا لا أعرف ألمك يا سيدي، لكنني أعرف أطفالك.
أنا من علّم ابنك أن يقف.
ردّ بغضب
هذا مستحيل.
الأطباء قالوا إن لديه نقص توتر شديد في ساقيه.
قالوا إنه ربما يمشي بدعامات عندما يبلغ عامين.
رفعت عينيها نحوه بقوة
الأطباء يقرأون التقارير يا سيدي وأنا أقرأ الأطفال.
سانتي ليس منعزلًا إنه خائف.
خائف من أن تخذله ساقاه.
خائف من أن يسقط ولا يحتفل أحد به.
أنت رأيت سيركًا في غرفة الجلوس أما سانتي فرأى تحديًا يمكنه تجاوزه.
ساد صمت ثقيل.
كان كلامها منطقيًا، لكنه بسيط جدًا لدرجة يصعب تصديقها.
قال أخيرًا
أثبتي ذلك.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى