أخبار

قصة شبيهة أمي للكاتب أحمد شرقاوي

كانت فيه واحدة جارتنا بتحط قدام بيتها زي طبق معمول من الأسمنت وكل يوم بتحط فيه أكل للقطط بتاعت الشارع، مرة شوية عضم، مرة بطاطس مهروسة، مرة شوية عيش بالمية، المهم إنها كانت مواظبة على ده بصورة يومية، والكلام ده مكنش عاجب أمي ولا من قريب ولا من بعيد أبدًا، وكانت بتضايق لما القطط بيتلموا ويبقوا قريبين من بيتنا اللي يعتبر لازق في بيت الست دي..

ياما عملت مشاكل مع الست لأن القطط بتعمل فضلاتها قريب من الحيطة بتاعت بيتنا، ولما الست بقت تخرج تنضف بقت أمي بتتلكك على أي حاجة تانية، لحد ما الست في النهاية وبعد خناقة كبيرة كسرت الحلة الأسمنتية دي وعملتها الناحية التانية عشان تتخلص من مشاكل أمي..

بس أمي كانت بتفكر في حاجة تانية خاصةً لما شافت نفسها إنها اتهانت من الست قدام كل الناس، فقررت تأدبها بطريقتها، أمي صحيت الفجر وبدون عِلم أي حد وحطت في الطبق سم عشان لما الست تحط الأكل الصبح القطط تاكل السـ,ـم وتمـ,ـوت، ومحدش عرف بعملتها غير تاني يوم..

وعلى الضهر تقريبًا سمعنا صوت صريخ رهيب جاي من الشارع، طلعنا نجري عشان نشوف فيه أيه لقينا قطة كبيرة و٤ قطط صغيرين ميتين جمب الطبق، بس مكنش ده سبب الصراخ، سبب الصراخ كان الطفل الصغير ابن الست اللي بتحط الأكل، كان لسة طفل بيزحف ومحدش شافه وهو بيقرب من الطبق وبياكل أكل مسموم مع القطط..

شكله وهو مـ,ـيت وبيطلع حاجات بيضا من بقه كان بشـ,ـع، عنيه جاحظة وجسمه منفوخ وشكله غريب، الغريب إنه كان حاضن قطة من القطط وهو ميت، واتقال بعدها إن فيه سم اتحط في الطبق وبقت كل الاتهـ,ـامات ناحية أمي اللي أنكرت تمامًا إنها ممكن تعمل حاجة زي دي، بس أنا كنت عارفة أمي كويس لما بتكذب، أمي هي اللي حطت السـ,ـم وكانت النتيجة إنها تسببت في قـ,ـتل طفل لسة بيزحف..

ورجعت أمي في صدمة رهيبة ومش مصدقة إنها قـ,ـتلت طفل صغير، بس حاولت تبرر فعلتها قدامي، عشان حتى إحساس الذنب مش عايزة تشيله، قالت إن الست كانت بتأذيها كتير وإنها اللي غلطانة لما محافظتش على ابنها وأهملته عشان يخرج لوحده في الشارع، وطلعنا البلكونة على المغرب ولقينا الطفل متكفن في حضـ,ـن أبوه وبيشيعه كل أهل البلد تقريبًا..

وعدت الأيام بعد كدا في سكوت غريب، اللهم إلا إن خطيبي طلب يفسخ الخطوبة بعد ما سمعة أمي بقت سيئة وبقت مكروهة في المنطقة كلها، وأمي قالتله طالما فسخت يبقا مفيش دهب، ولما حاول ياخد حقه بالعافية أمي صرخت وفضحته وقالت بيتهجم علينا، بس الغريب إن كل الناس وقفت تتفرج رغم إنهم بيتدخلوا في أبسط حاجة ممكنة..

وبما إن أبويا ميت ومالناش قرايب فمحدش عرف ياخد معانا حق ولا باطل في موضوع الدهب ده، وقعدت مع أمي وأنا مبقتش طايقة أبص في وشها من الأساس، بس واضح إن الجـ,ـريمة كانت كبيرة ومكنش ينفع تعدي بالساهل كدا، بعد تلت أيام من الحـ,ـادثة دي بدأنا نسمع بالليل صوت قطط كتير أوي في البيت وأحنا نايمين، وكنا بنخرج ندور عليهم منلاقيش حاجة خالص، بس الموضوع موقفش عند أصوات القطط لإننا كنا بنصحى بالليل بنلاقي الأكل منهوش في الأطباق وكأن فيه حيوان نهش فيه..

وفضلنا على الحال ده تقريبًا أسبوع لحد ما تطور الموضوع وبقينا بنسمع صوت طفل بيبكي في صالة البيت يوميًا بعد نص الليل، وبرضه نطلع ندور عشان نفهم أبه اللي بيحصل مكناش بنلاقي أي حاجة، بس مع استمرار الموضوع والخوف والقلق اللي بقينا فيه أمي قررت تروح لواحدة بتاعت أحجبة عشان تعملها حِجاب أو أي حاجة عشان توقف اللي بيحصل في البيت ده.

وروحت معاها لأني بقيت خايفة أقعد لوحدي في البيت، الست أول ما شافت أمي قالتلها أنتي شكلك عملتي مصيبة كبيرة أوي، أمي فضلت تترعش وتقولها:

ـ أنا معملتش حاجة..

الست قامت مسكت أمي من شعرها بقسوة وشـ,ـتمتها وقالتلها:

ـ قوليلي كل حاجة لأن اللي عندك كتير أوي..

وحكتلها أمي كل حاجة، موضوع سم القطط والطفل اللي مـ,ـات، وعن الأصوات اللي بقينا بنسمعها والخوف اللي بقينا عايشين فيه، الست قالت لأمي أنتي ولا ألف حِجاب هيأثر معاكي، أنتي محتاجة حارس يحرس البيت من الشر الكبير اللي بقا حوليكم واللي هيفضل يكبر لحد ما يدمركم تمامًا..

عشان كدا أمي دفعتلها كل اللي الست عاوزاه عشان تعملنا الحارس اللي بتقول عليه ده، ورسمت نجوم ومربعات على جسم أمي وخلتها تشرب من مية لونها أصفر وتخطي على سبع شمعات، وفضلت ساعة كاملة تأمرها بحاجات غريبة وأنا بترعش من الخوف، لحد ما في النهاية قالتلها:

ـ الحارس لبى النداء وهيحميكم من هنا ورايح..

ورجعنا البيت وإحساس الخوف مش عايز يمشي من جوانا إطلاقًا، وفي نفس الليلة بالليل لقيت أمي بتصحيني وبتقولي يالا عشان هنغسل، استغربت أوي لأن مين بيغسل بالليل بس أمرتني أجمع الغسيل كله بسرعة، قمت وأنا مش فاهمة اللي بيحصل وجمعت هدومي، ودخلت على دولاب أمي أجمع الغسيل ومسافة ما فتحت الدولاب لقيت أمي جوة الدولاب، وقفت اتنفض من المشهد لقتها بتتكلم وبتقول:

ـ فيه واحدة شبهي برة أنا خايفة منها أوي..

متحملتش حاجة تاني ووقعت من طولي، ولما صحيت الصبح أمي أنكرت إن فيه أي حاجة من الحاجات دي تكون حصلت، وإني كنت بتخيل، بس الهدوم اللي برة الدولاب دي طلعت لوحدها يعني، وتاني ليلة حصلت حاجة أغرب من الخيال، أمي جتلي بالليل وقالت إنها هتنام معايا لأنها خايفة تنام لوحدها..

حضـ,ـنتني ليلتها وفضلت تبكي وتقولي إنها ندمانة ولو رجع بيها الزمن مش هتكرر اللي عملته ده، ومن كتر بكائها بدأت أشفق عليها من جوايا، ماهي في النهاية أمي مهما كان، بس وسط نوبة البكاء والحزن دي لقيت حد بيبص علينا من برة الأوضة، الباب كان متوارب وفيه واحدة بتبص علينا من برة..

جسمي اتشل مكانه وبدأت أراقبها وعنيا مفزوعة وبحاول ألفت نظر أمي وقولتلها:

ـ فيه ست واقفة برة يا أمي..

لقتها همست في ودني وقالت:

ـ دي مش ست دي أمك..

ولقتها صرخت ونطت من الشباك في لحظة، ودخلت أمي من باب الأوضة وقتها وشعرها منكوش وبتترعش وجسمها منكمش على بعضه بطريقة غريبة، وقتها اتأكدت إننا عملنا كارثة كبيرة أوي في نفسنا، كـ,ـارثة هتودينا في ستين داهية زي ما بيقولوا، وللأسف أمي حالها بدأ يتدهور يوم بعد يوم، كانت أمي بتنكمش وتتعب وتدبل والست كانت بتسمن وتقوى وقوتها بتزيد، لحد ما جه اليوم الأبشع في حياتي لما سمعت صريخ مشابه ليوم مـ,ـوت الطفل..

خرجت أجري لقيت أمي ميتة مسمومة جمب الطبق اللي مـ,ـات جمبه الطفل ومـ,ـاتت جمبه القطط، وناس قالوا إنهم شافوا أمي بتزحف زي القطط وكلت من الطبق وهي اللي حطت السـ,ـم والأكل فيه عشان تاكل وتمـ,ـوت، أمي من بشاعة شكلها فضلنا ساعتين مش عارفين نقرب من جـ,ـثتها، لحد ما جه شيخ الجامع ورمى عليها من بعيد بطانية ولفوها فيها وخدوها على المستشفى ومنها للقبر..

كانت جنازة صعبة أوي، ٨ رجالة بس اللي شالوها وراحوا يدفـ,ـنوها، وقدام عنيا شوفت الست اللي شبهها قاعدة على التابوت من فوق وفرحانة، واختفت أمي واختفت الست وكل حاجة معاها..

أمي ماتت عشان سمحت لقلبها القاسي إنه يقـ,ـتل أرواح بريئة عشان تنتصر لنفسها، أمي لما استسهلت تقـ,ـتل قطط ربنا سلط عليها نفسها فقـ,ـتلت طفل، وكان الاستسهال في عمل ذنب سهل أوي يوصلك لذنب أعظم وتتحـ,ـرق بناره في الدنيا قبل الآخرة، اتقال إن ناس عرفوا اللي أمي عملته ودفعوا أكتر للعرافة عشان تقلب السحر على أمي وينتقـ,ـموا لمـ,ـوت الطفل، واتقال إن الحارس انقلب على صاحب السحر، واتقال إن العرافة قررت تنتـ,ـقم من أمي لأن فيه حاجة أجبرتها تعمل كدا..

معرفتش الحقيقة فعلًا، بس الحقيقة المؤكدة إن ده انتقام من الله ولسة نار الآخرة، اللي يسمح لقلبه يبقا قاسي يتحمل نتيجة أفعاله لأن النـ,ـار اتخلقت للمتكبرين قساة القلوب والجنة خُلقت للضعفاء اللي قلوبهم كلها رحمة..

(حَرُم على النارِ كلُّ هيِّنٍ لينٍ سهلٍ قريبٍ من الناسِ) أخرجه الترمذي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى