عام

قصة فتاة مشردة تنقذ طائرة

أدهم بيه قرب منها وسألها: — “أنتي مين؟”
البنت دموعها نزلت بهدوء، بس كان في ابتسامة خفيفة بتتحدى العالم كله على وشها، وقالت بصوت مبحوح: — “أنا… ولا حد يا بيه. اسمي سلمى.”
سكتت لحظة وكأنها بتجمع شتات روحها، وبعدين كملت: — “كنت عايشة مع أبويا… كان ميكانيكي طيارات بسيط في ورشة قديمة جنب المطار. مكنش عنده شهادات كبيرة، بس كان بيفهم في صوت الموتور أكتر من أي مهندس. كان بيقولي دايمًا: الطيارة بتتكلم، بس لازم حد يسمعها.”
المهندسين بصوا لبعض في صمت تقيل، وكأن كلامها لمس حاجة جواهم كانوا ناسيينها.
سلمى كملت وهي بتبص للمحرك كأنه كائن حي: — “كنت بقعد جنبه بالساعات، وهو يشرحلي كل حاجة… إزاي النفس بتاع الموتور بيتنفس، وإزاي أي غلطة صغيرة ممكن تكبر وتدمر كل حاجة. بس بعد ما مات… الورشة اتقفلت،

وأنا بقيت في الشارع.”
السكوت رجع تاني، بس المرة دي كان مليان احترام مش سخرية.
أدهم بيه حس بحاجة غريبة بتتحرك جواه، حاجة مش متعود عليها، يمكن ضمير، يمكن إعجاب، يمكن إحساس نادر بالإنسانية وسط عالم كله صفقات وأرقام. قال بصوت هادي بس حاسم: — “وإزاي دخلتي هنا؟”
سلمى ابتسمت ابتسامة صغيرة: — “بتسللت. الأمن مش بيركز مع حد شبهى.”
كبير المهندسين قرب خطوة، صوته كان متردد: — “اللي عملتيه ده… محدش فينا كان هيشوفه. حتى لو قعدنا يومين.”
سلمى هزت كتفها ببساطة: — “مش عشان أنا أشطر… بس عشان أنا سمعت الصوت صح.”
أدهم بيه سكت شوية، وبعدين قال فجأة: — “أنتي هتيجي معايا.”
المهندسين اتصدموا، وسلمى نفسها رفعت حاجبها باستغراب: — “فين؟”
— “على دبي.”
ضحكت بسخرية خفيفة: — “أنا؟ بالهدوم دي؟”
— “باللي انتي عايزاه.
بس انتي مش هتفضلي في الشارع تاني.”
سلمى بصت له نظرة طويلة، وكأنها بتختبر صدقه، وبعدين قالت بهدوء: — “أنا مش عايزة شفقة.”
أدهم بيه رد بسرعة: — “ولا أنا بدي شفقة. أنا بدي فرصة… لنفسي قبل ما تكون ليكي.”
الكلمة وقعت تقيلة، بس صادقة.
بعد ساعة، الطيارة كانت بتتحرك على المدرج، وسلمى قاعدة جنب الشباك، لابسة هدوم نظيفة لأول مرة من شهور، بس إيديها لسه فيها آثار شحم، وكأنها مش عايزة تمسح ماضيها بالكامل.
بصت للسحاب وهي بتبعد عن القاهرة، وقالت بصوت واطي: — “أبويا كان دايمًا بيحلم يركب طيارة زي دي.”
أدهم بيه رد بهدوء: — “دلوقتي حلمه راكبها… من خلالك.”
سلمى غمضت عينيها، دمعة نزلت، بس المرة دي كانت دمعة راحة مش وجع.
الأيام عدت بسرعة بعد الرحلة دي، وأدهم بيه وفى بوعده. دخل سلمى أفضل معاهد الطيران، والمدربين
كانوا في الأول شاكين، بس بعد أول اختبار عملي، الشك اتحول لذهول. كانت بتفهم الأعطال من صوت خفيف، من اهتزاز بسيط، من إحساس مش بيتدرس في كتب.
بعد سنين قليلة، اسم “سلمى الجارحي” — اللي أدهم أصر يضيف اسمه ليها كدعم — بقى معروف في عالم الطيران، مش بس في مصر، لكن في العالم كله. شركات كبيرة كانت بتطلبها بالاسم، ومهندسين كبار كانوا بييجوا يتعلموا منها.
وفي يوم، وهي واقفة جوه نفس الهنجر اللي بدأت فيه، بس المرة دي ببدلة مهندسة رسمية، وأمامها فريق كامل بيستنى تعليماتها، دخلت بنت صغيرة هدومها قديمة وعينيها مليانة نفس التحدي القديم.
الكل كان مستعد يطردها…
بس سلمى رفعت إيدها وقالت بابتسامة هادية: — “استنوا.”
وقربت منها، وانحنت شوية وقالت: — “تعالي… وريني بتسمعي إيه.”
والدنيا كأنها بدأت من جديد، بس المرة
دي… المعجزة بقت عادة.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى