علم

قصة المرتبة الجزء 3

قلت له:

— اختفى إزاي؟

أمي قالت بسرعة:

— كفاية لحد هنا.

لكن أبويا ما بصّش لها.

قال:

— أبوك الحقيقي كان داخل في مشاكل كبيرة وقتها.

— مشاكل إيه؟

سكت شوية، وبعدين قال:

— فلوس. ناس. ديون. وحاجات إحنا ماكناش عايزين ندخل فيها.

قلت:

— وأختي كانت تعرف ده؟

قال:

— كانت عارفة أكتر مننا.

أمي بدأت تبكي.

— هي كانت صغيرة وقتها.

أبويا قال:

— صغيرة، بس مش غافلة.

قربت منهم.

— آخر مرة شافته، حصل إيه؟

أبويا تنهد.

— قابلته عشان تطلب منه يبعد عنك.

اتصدمت.

— عني أنا؟

هز راسه.

— كانت خايفة يدخل حياتك ويجرّك وراه.

قلت:

— وهي اللي خلته يختفي؟

أمي شهقت.

— لأ!

أبويا قال:

— محدش عارف بالظبط.

سحب من الصندوق ظرف صغير كنا لسه ما فتحناهوش.

— لكن بعد اختفائه بأسبوع، الظرف ده وصل.

فتحه وطلع منه ورقة قصيرة.

كان مكتوب فيها:

“خدوا بالكم من الولد. ماتخلوهوش يعرف اسمي قبل ما يكبر.”

قريت الجملة مرتين.

قلت:

— ده خطه؟

أبويا قال:

— أيوه.

— يعني هو كان عايش بعد ما اختفى.

— على الأقل وقت ما كتب الرسالة.

فضلت ساكت.

وبعدين سألت:

— وأختي فين دلوقتي؟

أبويا بص لأمي.

أمي قالت:

— آخر عنوان عندنا قديم.

قلت:

— بس فيه رقم في الرسالة الجديدة.

مديت إيدي وخدت الورقة.

بصيت للرقم.

— هكلمها.

أمي قامت بسرعة.

— استنى.

قلت:

— استنى إيه؟ كفاية 31 سنة انتظار.

طلعت موبايلي.

إيدي كانت بتترعش وأنا بكتب الرقم.

أبويا وقف ساكت.

أمي حطت إيدها على بقها.

ضغطت اتصال.

رن مرة.

اتنين.

تلاتة.

وبعدين حد رد.

صوت ست.

هادئ.

— ألو؟

ماعرفتش أتكلم.

قالت تاني:

— ألو؟

بلعت ريقي.

— أنا… أنا لقيت الرسالة.

سكتت.

سكون كامل.

وبعدين سمعت نفسها بيتغير.

قالت:

— المرتبة اتشالت؟

قلت:

— أيوه.

بدأت تعيط.

مش بصوت عالي.

بكاء مكتوم، كأنها كانت مستنية المكالمة دي طول عمرها.

قلت:

— إنتِ عارفة أنا مين؟

قالت:

— عارفاك من يوم ما اتولدت.

سكت.

وبعدين قالت:

— وأنا عارفة حاجة محدش في البيت قالهالك.

بصيت لأبويا وأمي.

قلت:

— إيه هي؟

قالت:

— أبوك الحقيقي ما اختفاش.

قلبي وقف.

— يعني إيه؟

قالت:

— هو كان قريب منك أكتر مما تتخيل.

حسيت نفسي مش قادر آخد نفس.

قلت:

— فين؟

سكتت لحظة طويلة.

وبعدين قالت:

— لو بصيت جوه قاع الصندوق المعدني… هتلاقي طبقة خشب رفيعة.

قلبت الصندوق فورًا.

بدأت أدور.

وفعلًا، كان فيه لوح رفيع في القاع.

رفعته.

تحت اللوح كان فيه ظرف أسود صغير.

فتحت الظرف.

جواه صورة واحدة حديثة نسبيًا.

لراجل واقف قدام بيت أعرفه كويس جدًا.

بيتنا القديم.

وقلبت الصورة.

على ظهرها كان مكتوب:

“كنت قريب منك طول الوقت… بس ماقدرتش أظهر.”

وتحت الجملة…

كان فيه تاريخ من 8 سنين بس.

رفعت الصورة ناحية أبويا.

قلت:

— إنت كنت عارف؟

وشه اتغير.

أمي بدأت تبص له بخوف.

وأختي على التليفون قالت:

— اسأله عن الراجل اللي كان بيزور البيت كل سنة في نفس اليوم.

وقتها افتكرت.

راجل غريب كان بييجي مرة كل سنة.

يقعد مع أبويا عشر دقايق.

يمشي من غير ما يدخل البيت.

طول عمري كنت فاكره صاحب قديم.

بصيت لأبويا وقلت:

— الراجل ده كان مين؟

أبويا قفل عينيه.

وبصوت واطي قال:

— أبوك.

فضلت باصص لأبويا ومش قادر أنطق.

— أبويا الحقيقي… كان بييجي هنا؟

هز راسه ببطء.

— أيوه.

صوتي علي من غير ما أقصد:

— وكان واقف قدامي كل سنة وأنا مش عارف هو مين؟

أمي بدأت تعيط أكتر.

قلت:

— وإنتوا الاتنين كنتوا ساكتين؟

أبويا رد:

— لأنه هو اللي طلب كده.

ضحكت بمرارة.

— طبعًا. وكل الناس بتطلب وأنا الوحيد اللي ماحدش بيسأله.

سكت لحظة.

وبعدين سألت:

— كان بييجي ليه؟

أبويا قعد على الكرسي.

قال:

— كان عايز يطمن عليك.

— من بعيد؟

— أيوه.

— من غير ما يكلمني؟

— كان شايف إنه فقد الحق ده من زمان.

لفيت وشي بعيد عنهم.

الصورة كانت لسه في إيدي.

افتكرت الراجل.

كنت فاكره فعلًا.

طويل، شعره كان بيشيب سنة ورا سنة، دايمًا لابس قميص غامق، وكل مرة كان يسلم عليا ويقول نفس الجملة:

— عامل إيه يا بطل؟

ولا مرة كنت بفكر فيها.

ولا مرة سألت هو مين.

رجعت بصيت لأبويا.

— آخر مرة جه إمتى؟

سكت.

وده خلاني أعرف إن فيه مصيبة جديدة.

قلت:

— إمتى؟

قال:

— من حوالي 8 سنين.

بصيت للصورة.

نفس التاريخ تقريبًا.

قلت:

— وبعدها؟

أبويا قال:

— اختفى تاني.

الصوت اللي على التليفون تدخل:

— ما اختفاش.

رفعت الموبايل بسرعة.

كنت نسيت أصلًا إن أختي لسه على الخط.

قلت:

— إنتِ تعرفي مكانه؟

قالت:

— كنت أعرف.

قلبي اتقبض.

— يعني إيه كنتِ تعرفي؟

سكتت ثواني.

وبعدين قالت:

— أنا قابلته من 6 سنين.

أمي شهقت.

— قابلتيه؟

الصوت رد:

— أيوه.

قلت:

— وماله؟ كان عايش فين؟

قالت:

— مش دي المشكلة.

— طب إيه المشكلة؟

ردت:

— المشكلة إنه كان مريض.

سكت الجميع.

قلت:

— مريض بإيه؟

قالت:

— قلبه كان ضعيف جدًا.

حسيت بحاجة باردة بتتحرك جوا صدري.

— طب هو فين دلوقتي؟

السكوت طال.

قلت بصوت أعلى:

— هو فين؟

ردت أخيرًا:

— مات من 4 سنين.

ماحسيتش بنفسي وأنا قعدت.

الصورة وقعت من إيدي.

ولا عرفت أنا زعلان على إيه بالظبط.

على راجل ماعرفتوش؟

ولا على أب كان قريب مني وأنا ماعرفتش؟

ولا على 31 سنة كاملة كل واحد حواليا كان شايل فيها جزء من الحقيقة وأنا الوحيد اللي عايش ناقصها؟

قلت:

— هو مات وهو عارف إني ماعرفش؟

قالت:

— أيوه.

مسحت وشي بإيدي.

— وساب حاجة؟

الصوت سكت.

وبعدين قالت:

— عشان كده كنت مستنية مكالمتك.

قلبي دق بسرعة.

— ساب إيه؟

قالت:

— جواب.

— فين؟

— عندي.

— من 4 سنين؟

— أيوه.

قلت بانفعال:

— وإنتِ سايباه 4 سنين؟

قالت بهدوء:

— مكتوب عليه مايتفتحش غير لما إنت تعرف الحقيقة بنفسك.

بصيت للصندوق.

كل الأسرار كانت ماشية بنفس الطريقة.

تستنى.

تستخبى.

تتأجل.

قلت:

— اقريه.

قالت:

— لأ.

— ليه؟

— لأنه ليك إنت.

— وأنا مستعد أسمعه.

قالت:

— مش على التليفون.

سكتت لحظة.

— تعالى قابلني بكرة.

أمي قالت فورًا:

— إحنا كلنا هنروح.

لكن الصوت رد:

— لأ.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى