
طارق وشه اصفر، وعينيه بقت تروح وتيجي بين الملف وبين أمه. ريناد أصلها اتوترت وبدأت ترجع على ورا، ووفاء اتسمرت مكانها ومش عارفة تقول إيه.
قُلت بصلابة:
— المحامي بتاعي هيتواصل معاك بكره عشان قضايا الطلاق للضرر وتحديد نصبي في الشقة والشرط الجزائي، ده غير البلاغ اللي هيتقدم في شركتك بإثبات إنك كنت بتاخد إجازات وترفقها على إنها مأموريات سفر وهمية وتصرف عليها من فلوس الشركة.
طارق مسك إيدي بسرعة وهو بيترجاني ووشه باين عليه الرعب:
— استني بس يا حبيبتي.. والله الموضوع مش زي ما أنتِ فاهمة، أمي هي اللي كانت بتضغط عليا وريناد دي مجرد غلطة وشغل بزنس، أنا بحبك أنتِ ومش عايز أستغنى عنك!
نفضت إيده من على إيدي بقوة، وبصلته بقرف:
— ما تلمسنيش تاني! بقى ذنب السنة اللي قضيتها وأنا بلف على دكاترة المعادي والمهندسين وببكي كل ليلة وبقول يا رب العيب فيا، تقولي عليه مجرد غلطة وشغل بزنس؟ أنت بني آدم مريض وأنا قرفانة منك ومن نفسك.
ريناد أول ما سمعت جملته بتاعة “مجرد غلطة وشغل بزنس”، ووشها جاب ألوان، قلعت المريلة ورمتها على الأرض بغل:
— بقيت أنا مجرد غلطة يا طارق؟ بعد ما جرتني وراك ووعدتني بالفيلا اللي في الشيخ زايد وفهمتني إنك خلاص بتخلص أمورك؟ أنت فعلاً عيل وصغير ومبتفكرش غير في نفسك!
وفاء حاولت تدخل في النص وتلحق الموقف، وبدأت تصرخ في ريناد:
— أنتِ كمان جاية تعملي علينا بطلة؟ ما أنتِ عارفة إنه متجوز من أول يوم وجاية على طمع في فلوسه وشركته!
ريناد بصت لوفاء بضحكة استهزاء:
— طمع في فلوسه؟ ابنك حافي بالنسبة لعيلتي يا هانم! أنا اللي كنت هرفعه وأخليه بني آدم، بس كويس إن ربنا كشفه على حقيقته قبل ما ألبس فيه رسمي.
ورمت شنطتها على كتفها وخرجت وربعت الباب وراها بكل قوتها.
طارق واقف في نص الصالة زي المصدوم، بص لأمه بغضب هيستيري:
— عاجبك كده؟ ارتحتي؟ خربتي بيتي وضيعتي ريناد وضيعتي كل حاجة كانت هتطلعني لفوق!
وفاء ضربت على صدرها:
— أنا يا طارق؟ أنا اللي بعمل كل ده عشان مصلحتك؟ بقى بتعلي صوتك عليا عشان واحدة زي دي وعشان دي؟
قاطعتهم بصوت هادي ومسموع:
— وفروا تمثيلياتكم دي لنفسكم.. أنا مش فاضية للمسرحية دي.
مسكت شنطتي وطلعت تليفوني ورنيت على المحامي بتاعي وأنا واقفة قدامهم:
— أيوة يا أستاذ حازم، أنا خرجت من الشقة حالا. بكره الصبح تحضر القضايا كلها: طلاق للضرر، تمكين من الشقة بالنصف، ودعوى تعويض عن الأضرار النفسية، ومعاك صور التحريات والتسجيلات عشان ترفقها في المحضر.
طارق جرى عليا تاني وحاول يمسك الشنطة من إيدي:
— ارجعي بس يا بنت الناس نتكلم! بلاش تخربي بيتنا بالطريقة دي، بلاش نطلع فضايحنا للناس والمحاكم!
— بيتنا اتخرب من النهار اللي وافقت فيه تحرمني من حلم الأمومة وتكدب عليا وتستغفلني، بيتنا اتخرب لما دخلت أشكال زي دي بيتي ولَبستهم المريلة بتاعتي.
نزلت من العمارة وأنا حاسة بإحساس غريب جداً.. كان خليط بين وجع قلبي على الـ ٨ سنين اللي ضاعوا من عمري مع انسان خاين، وبين راحة نفسية رهيبة إني أخيراً عرفت الحقيقة وما بقيتش عايشة في وهم.
خلال شهرين بس، المحامي كان ماشي في الإجراءات بمنتهى القوة. الصور والتسجيلات كانت أدلة قاطعة قدام القاضي. المحكمة حكمت لي بالطلاق للضرر مع كامل حقوقي والشرط الجزائي، ده غير إن تقرير التحريات اللي اتبعت لشركته خلى إدارة الشركة تعمل معاهم تحقيق داخلي بتهمة التزوير واستغلال الإجازات، وانتهى الموضوع بإقالته من منصبه بشكل يسيء لسمعته المهنية تماماً.
أما بالنسبة لـ “ريناد”، فبمجرد ما عرفت بالتحقيقات وبإن طارق اترفد من شغله وحجم الديون اللي بقت عليه عشان يدفع مستحقاتي، قطعت علاقتها بيه تماماً وغيرت أرقامها.
بعد سنة واحدة من اليوم ده..
كنت قاعدة في بيتي الجديد في التجمع، شمس الصبح داخلة من البلكونة وأنا بشرب قهوتي وبراجع تقارير شغلي الجديد بعد ما اترقيت وبقيت مديرة فرع.
التليفون رن، كانت صاحبتي المشتركة بيني وبين طارق:
— عرفتي اللي حصل لطارق وأمه؟
سألتها ببرود:
— إيه اللي حصل؟
— سابوا شقة المعادي بعد ما اضطر يبيع نصيبه فيها عشان يسدد الديون والمؤخر.. وأمه جالتها خفيفة من الزعل وحالياً قاعدين في إيجار صغيرة في شبرا، وهو بيلف على الشركات ومش عارف يلاقي شغلانة محترمة بسبب التقرير القديم.
قفلت المكالمة وبصيت من البلكونة على السما. لأول مرة من سنين طويلة، حسيت إن مفتوح وبتنفس براحة. ربنا ما بضيعش حق حد، وكونه حرمه مني ومن الخلفة بسببه، كان أرحم بكثير من إني أكون مخلفة طفل من انسان بالبشاعة دي.
ابتسمت، وفتحت لاب توبي كملت شغلي وأنا متأكدة إن الحياة الحقيقية بالنسبة لي.. يادوب لسة بتبدأ.




