
اتفقنا إنه هيعمل بلاغ رسمي في النيابة العامة بتهمة “الابتزاز الإلكتروني واستغلال قاصر”، مع طلب تفريغ كاميرات العمارة والشهادات الحية، وفي نفس الوقت هنبعت له إنذار على يد محضر يطالبه بـ عدم التعرض.
رجعت البيت وأنا حاسة إن القوة بدأت ترجعلي. بس طارق مكنش ناوي يستنى الخطوة القانونية.
الساعة كانت 10 بالليل، والباب خبط بقوة. خبطات متتالية ورا بعضها تخوف.
شهد طلعت من أوضتها مفزوعة:
* “مين ده يا ماما؟”
جريت على الباب وبصيت من العين السحرية.. كان طارق! واقف في الطرقة، وشها محمر وعينيه فيها جنون، ومسك في إيده ملف أسود.
زعق بصوت عالي جايب أخر الشارع:
* “افتحي يا ياسمين! افتحي بدل ما ألم عليكِ العمارة كلها وأطلع المستور! افتحي يا خائنة يا اللي بلتيني على بنتك!”
صوته كان طالع يزلزل البيت، والجيران بدأوا يفتحوا الشبابيك وببان الشقق ويدوروا على مصدر الصوت.
شهد مسكت في ضهري وهي بتعيط:
* “يا ماما بلاش تفتحي.. هيعمل فينا إيه؟”
بصيت لشهد، وبعدين بصيت للباب.. وعرفت إن اللحظة دي هي اللي تحدد مسار حياتنا.. إما أنكمش وأخاف وأسيب الفضيحة تأكلنا، أو أخرج وأواجه الذئب ده قدام الناس كلها وأكشف وش التقوى اللي متغطي بيه.
مسكت التلفون، شغلت الكاميرا، وفتحت الباب على آخره..
وقفت قدامه في وش الطرقة، والناس بدأت تتجمع على السلم. بصيت له بعيون متخافش وقولت بصوت هز الطرقة كلها:
* “تعالى يا طارق.. تعالى سمّع الناس كلها الكلام اللي كنت بتقوله لبنتي القاصر الساعة 3 الفجر في الضلمة! تعالى وريهم الشيخ الجليل وهو بيساوم على شرف عيلة!”
وش طارق اتجمد، والملف اللي في إيده اتهز.. والجيران بدأوا يتهامسوا ويقربوا خطوة خطوة.
اتسمر طارق مكانه في أول درجة من السلم، وعينيه زادت اتساعها وهو شايف جيرانه طالعين ونظرات الاستنكار والذهول مالية وشوشهم.
الحاج محمود صاحب العمارة قاطع السكوت وهو نازل خطوتين بصرامة وقال بحدّة: “في إيه يا استاذ طارق؟ صوتك جايب آخر الشارع ليه؟ وإيه الكلام المرعب اللي المدام بتقوله ده؟”
طارق حاول يحافظ على قناع التقوى والرزانة اللي لبسه لسنين، وبدأ يتلعثم وهو بيمسح عرقه ويرجع خطوة لورا: “يا حاج محمود.. دي ست اتجننت! بتتبلى عليا بعد ما طردتني من الشقة وطلبت الطلاق، ودلوقتي بتألف قصة حامضة عشان تشوّه سمعتي قدام الناس وتغطّي على تقصيرها!”
رفعت التلفون في وشه بثبات، ودست على زرار التشغيل. صوت طارق خرج نقي وواضح من سماعة التلفون المرفوعة..
صوته وهو بيهددني بالمذكرات والتسجيلات، وصوته الحقير وهو بيتكلم مع بنتي شهد في أوضة المكتب الساعة 3 الفجر وبيقولها: “مامتك مش فاهمة حاجة.. خلي كل حاجة بيننا سر”.
الصوت هزّ الطرقة وسكت الكل. الحاج محمود بص لطارق بقرف شديد وقدم منه، وأم أحمد جارتنا حطت إيدها على بقها من كتر الصدمة وشهقت: “يا ساتر يارب! ده الراجل اللي كنا بنقول عليه بركة وشيخ وبيمشي جنب الحيط! طلعت بالبشاعة دي يا طارق؟”
وشّ طارق اتغير للون الأسود، وعرف إن الورقة الأخيرة اللي كان بيلعب بيها طارت من إيده ومفهاش أي رجعة.
الهيبة التقية اللي بناها لسنين وسط المنطقة اتبخرت في ثواني معدودة. مسك الملف اللي في إيده بعنف، ونبرة صوته اتغيرت كلياً كأنه وحش مجروح اتكشف غطاء جحره: “والله ما هسيبك يا ياسمين! الشقة دي شقتي، والبت دي أنا عارف إزاي أربيها بطريقتي، ومش هخليكِ تهنّي بليلة واحدة في المنطقة دي كلها!”
الحاج محمود زقه بقوة بعيد عن باب الشقة وقال بصوت هز السلم: “انزل يا طارق من هنا أحسن ما نطلبلك البوليس يلمّك! المنطقة دي فيها رجالة، وما بنسمحش لواحد خاين وزيك يرفع صوته على ولادنا ولا يهدد حرمة بيوتنا!
انزل وما تشوفش وشك هنا تاني!”
طارق بصلي بنظرة كلها كره وحقد ينطق بالشر، ونزل السلم وهو بيلهث وبيشتم تحت ضرسه، ورزع باب العمارة برة بقوة هزت الحوائط.
قفلت الباب ورجعت لورا وأنا حاسة إن حيلتي اتهدّت تماماً. شهد اتَرَمَت في حضني وهي بتصرخ بالبكاء وجسمها كله بيترعش. الجيران طبعاً حاولوا يهدونا في اللحظة دي، بس أنا عارفة كويس طبع المجتمع.. الكلام مابيموتش بسهولة، والنظرات بين الناس بتتغير في ثواني. الشك هيفضل ينخر في دماغاتهم، وهيطلع مين يقول “أكيد البنت كانت بتديله وش” ومين يقول “أكيد الأم كانت دريانة”.
ده الواقع اللي بنواجهه، دايماً بيحملوا الضحية جزء من الجريمة عشان يريحوا ضميرهم.
عدت ليلتين، وكانت المنطقة تحت البيت مليانة همس. شهد رفضت تماماً تنزل المدرسة، وقعدت في الأوضة قافلة على نفسها ومبتكلش. بصيت لها ولقيت البنت بدأت تدبل وتحبل، الخوف قتل ضحكتها، والندم بياكل في جسمها الصغير. قعدت جنبها على السرير، مسكت إيدها المرتعشة وقولتلها بصوت حاسم:<br
/> * “لو استخبيتي يا شهد، هتبقي بتعترفي قدام نفسك والناس إنك أذنبتي. طارق هو المجرم، هو اللي لازم يختفي ويستخبى في جحره، مش أنتِ. من بكرة هتنزلي مدرستك، ورأسك مرفوعة فوق، وأنا هكون معاكِ في كل خطوة ومفيش مخلوق يقدر يلمس منك شعرية.”
هزت رأسها بدموع وقالت: “أنا خايفة يرجع يا ماما.. خايفة يعمل فينا حاجة.”
وقبل ما أرد عليها، رنة التلفون قطعت كلامنا. كان المحامي. صوته مكنش يطمن خالص:
* “يا ياسمين هانم.. طارق بيلعب لعبة قذيرة جداً ومش ناوي يسلّم بسهولة.
عرفت إنه راح قسم الشرطة وعمل محضر كير رسمي ضدك وضد شهد، ببيتهمكم فيه بالسرقة والنصب! قايل إنك سرقتي منه أوراق ملكية ومبالغ مالية كبيرة كانت في المكتب، وإن بنتك ساعدتك في ده! والأدهى والأمر.. إنه مقدم صورة إيصال أمانة مزور بـ 500 ألف جنيه وادّعى إنك مضيتي عليه أثناء الزواج كأمانة!”
الخبر نزل عليا زي الصاعقة! طارق كان بيحفر لي قبر قانوني محكم.




