
رجعت من عند بابا وماما بعد ما كنت بساعدهم، ولقيت حماتي قاعدة ومتربعة في بيتي! والأمرّ إنها كانت عايزة تطردني منه وكأن كل حاجة ملك ابنها، وهي ما تعرفش مين اللي دافع قرش في البيت ده بجد…
أول ما فتحت باب شقتي في المعادي، أول حاجة شفتها ما كانتش جوزي… دول كانوا ثلاث شنط سفر غريبة سادين الطرقة، وجزمة حريمي بكعب عارفة صاحبته كويس أوي. قبلها بأسابيع، كنت سافرت أنا وابني اللي عنده سنتين للشرقية عشان أقف جنب بابا وماما في موسم حصاد المزرعة. رجعت هلكانة، والولد نايم على كتفي، وكل أملي أخد دش دافي، وأتعشى أي حاجة خفيفة، وأنام في سريري.
ما لحقتش أخطو خمس خطوات جوة الشقة!
حماتي، “فوزية”، كانت ممددة على الكنبة في الصالة بتتفرج على المسلسل ورجليها على الترابيزة. الكوبايات وقشر البرتقال وأكياس الشيبسي مرمية في كل حته. لما شافتني، حتى ما تعبتش نفسها وتقوم تقعد.
— أخيرًا افتكرتي إن ليكي بيت ورجعتي؟
حسيت برعشة تلج مشيت في جسمي كله.
— إيه اللي جاب حضرتك هنا يا طنط فوزية؟
— إيه اللي جابني؟ جيت أراعي ابني! سايبة جوزك ورايحة لأهلك وسايباه يأكل أي أكل من الشارع!
قبل ما ألحق أرد، باب أوضة ابني اتفتح. “شيماء”، أخت جوزي الصغيرة، خرجت وهي لابسة الروب الستان بتاعي اللي كنت شايلاه للمناسبات! وكانت ماسكة كريم وشي في إيديها، ومن وراها شفت جزم وعلب هدوم مرمية على الأرض، وشنطة مفتوحة ومحطوطة فوق سرير مروان ابني.
— هي هدومك بتعمل إيه في أوضة ابني يا شيماء؟
شيماء ضحكت بصوت واطي ودمها خفيف:
— ياه يا ندى! بلاش مبالغة بقى.. شريف قالنا نقعد كام يوم.
بصيت ناحية الممر وزعقت:
— شرييييف!
محدش رد.
حماتي وقفت وربعت إيديها وقالت:
— وعشان تبقي عارفة بقى.. لو فكرتي تسيبيني ابنك تاني وتروحي تجري على أهلك، البيت ده هيتقفل في وشك ويبقى بتاعنا! ولو مش عاجبك، لمي هدومك ويا هلا بالسلامة.
من كتر الصدمة افتكرت نفسي أغمى عليا وبحلم!
— أفندم؟ حضرتك بتقولي إيه؟
— اللي سمعتيه! ابني طافح الدم وعرقان عشان يعملك السقف ده فوق راسك، كفاية بقى تحكمات وكأنك صاحبة البيت!
شيماء شاورت بدقنها ناحية الأوضة وقالت:
— وبعدين ماما محتاجة أوضة مريحة، وأنا هاخد أوضة الولد. مروان لسه صغير وممكن ينام معاكوا جوة.
مروان اتململ على كتفي، وأنا جزيت على سناني من الغيظ.
— البيت ده مش بتاع حد فيكوا! ومحدش يلمس حاجة ابني تاني!
في اللحظة دي، ظهر “شريف”. ما خرجش يدافع عني ولا يطيب خاطري، يا دوب طلع راسه من باب الأوضة الكبيرة وقال بصوت واطي:
— ندى، أرجوكي بلاش مشاكل من أولها.
بصيت له باستنكار:
— أنت اللي دخلتهم هنا؟
— أمي كانت عايزة تيجي.. يعني أعمل إيه؟ أرميها في الشارع؟
— كان ممكن تقولها تستأذن الأول قبل ما تيجي تحتل شقتنا!
حماتي نفخت بقلة صبر من ورانا:
— اسمعوا بتمثل إزاي! “شقتنا”! وكأنها دفعت فيها مليم أحمر!
شريف بَصّ في الأرض وما نطقش.
الحركة دي وجعتني أكتر من كلامهم.
طوال ثلاث سنين جواز، كنت ساكتة ومتحملة إن شريف بيبعت جزء كبير من مرتبه لأمه وبيسدد ديون بطاقات ائتمان أخت شيماء من غير ما يرجعلي. ومن ساعة ما خلفت مروان، وحماتي نازلة زن إنني عايشة على قفاه، مع إن عندي تحويشة محترمة ومرتب ثابت. بس الليلة دي عدوا كل الخطوط الحمرا.. كانوا عايزين يطردوني من البيت اللي أنا دافعة ثمنه من تعبي!
تاني يوم الصبح، حماتي خبطت بالمعلقة على الترابيزة برياخة:
— إيه؟ فين الفطار؟
— عندك بيض وجبنة وعيش في التلاجة، وتقدروا تعملوا لنفسكم.
شيماء برقت بفتري:
— يعني مش هعملي لكوباية شاي حتى لماما؟
— أنا مش فاضية، بعمل أكل لابني الأول.
شريف خرج وهو بيربط الكرافتة بتاعته وقال بضيق:
— ندى، المشوار مش مستاهل.. عدي الليلة عشان نعرف نعيش.
مشيت وراه الأوضة وقولتله بصوت واطي بس حاسم:
— أنا عايزاك تقولهم يمشوا النهاردة قبل بكرة.
— مش هعرف أطرد أمي يا ندى!
— طب قولي بصراحة.. أنت كمان شايف إن من حقها تطردني من هنا؟
شريف نفخ بزعل وقال:
— هي زعلانة وبس، وأنتِ بتبالغي وتستفزيها! أنتِ سبتي البيت أسبوعين كاملين!
ساعتها فهمت إنه مش متلخبط ولا محرج.. هو اختار يقف مع أهله ضدي.
استنيت لما نزل لشغله. قفلت الباب بالمفتاح، وقعدت مروان يلعب بلعبه، وطلبت أخويا “طارق” اللي شغال في إدارة العقارات في الإسكندرية.
— طارق.. محتاجة تراجع معايا أوراق مهمة أوي دلوقتي.
— في إيه يا ندى؟ مال صوتك؟
حكيت له كل اللي حصل بالحرف. السكوت ساد على الخط ثواني، وبعدها صوته اتغير وبقى جاد جدًا:
— ندى، اسمعيني كويس وما تتخانقيش معاهم تاني خالص. احمي حقك الأول. أنتِ لسه شايلة عقد الشقة ووصلات مقدم الشراء؟
بصيت ناحية الدولاب:
— أيوه، كل الأوراق معايا.
— تمام، إياكي توريهم أي حاجة دلوقتي! شيلي نسخ بره البيت، وراجعي حساباتك في البنك، وتكلمي محامية شاطرة قبل ما تاخدي أي خطوة.
فتحت الخزنة الصغيرة اللي شايلة فيها أوراقي. العقد كان قدامي: الشقة مسجلة باسمي أنا “ندى”. كنت شرياها قبل ما نتجوز بكام شهر، بقرض سددته بشغلي لمدة سبع سنين كمهندسة جودة أغذية. مقدم الشقة دفعته تقريبًا كله من تحويشتي ومن سلفة من بابا ورديتها له. شريف بعد الجواز شارك بس في شوية عفش ومصاريف بسيطة، بس كان بقاله سنين بيعشم أمه إنه هو اللي “جاب الشقة وبناها”.
حطيت العقد في شنطتي.
ولأول مرة من ساعة ما رجعت، الخوف يختفي تمامًا ويحل محله ثقة وراحة.
بعد الظهر، وفي الوقت اللي كانت فيه حماتي وشيماء بيموتوا على نفسهم من الضحك في الصالة، كنت أنا باخد صور واضحة بالموبايل لكل ورقة رسمية وببعتها لـ طارق.
الجزء الثاني
على مدار الست أيام اللي بعدهم، سبتهم فاكرين إنهم كسروني وهزموني. مش عشان أخدمهم، بس عشان كنت محتاجة أسمع وأراقب وأرتّب أوراقي وكل خطوة جاية بحساب.
فوزية بدأت تتحكم في المطبخ وكأنه ملكها، وشيماء احتلت نص دولاب أوضة مروان. وشريف يرجع بالليل يشوف الفوضى ويقول نفس الجملة الخايبة:
— معلش، استحملي شوية.. هما هيزهقوا ويمشوا لوحدهم.
أنا ما بقيتش أدخل في أي نقاش.
بالليل لما الكل ينام، كنت بفتح حساباتي البنكية. اكتشفت إن شريف على مدار سنتين كان بيعمل تحويلات شهرية مستمرة من الحساب المشترك بتاع مصاريف البيت. ما كانتش مبالغ بسيطة، دي كانت دفعات لإيجار شقة حماتي، وأقساط بطاقات أخت شيماء، وحتى ديون لمحل ملابس أخت جوزي بتشتري منه.
المبالغ دي كانت كافية تثبت حاجة وجعتني أوي: في الوقت اللي كنت بضغط فيه على نفسي وأقلل مصاريف عشان حضانة مروان ونخلص باقي أقساط عقاري، شريف كان عايش دور البطل وبيصرف على أمه وأخته في السر.
في اليوم السابع، أخدت معاد مع محامية أحوال شخصية اسمها “منى”. راجعت العقد، ووصلات الأقساط، ونظام جوازنا.
— الشقة اتشرت قبل الجواز وباسمك أنتِ رسميًا — قالتلي بثقة — وده معناه إن حماتك مالهاش أي حق فيها ولا تقدر تحط إيدها عليها لمجرد إن ابنها عشمها بكده.
خرجت من عندها بحالة هدوء وراحة ما حسيتهاش من سنين.
وفي نفس الليلة، حماتي إدتني الفرصة الذهبية على طبق من دهب.
— شريف — قالت وهي بتاكل العشا — بكرة لازم تروح للشهر العقاري وتكتب الشقة دي باسمك. جه الوقت اللي تؤمن فيه نفسك وحقك.
شيماء ابتسمت بلؤم:
— صح يا أبيه، عشان لو ندى فكرت تتسحب وتسافر تاني، ما تطلعش بالبيت وتطردنا.
شريف كان بياكل وساكت.
بصيت له وقولت:
— أنت ناوي تعمل كده بجد؟
كنت مستنية يضحك، يقول ده كلام فارغ، يدافع عني ولو مرة…
بس رد وقال:
— نطلع نسأل بس يا ندى.. مجرد سؤال!
قمت من غير ولا كلمة، دخلت الأوضة ورجعت بملف أوراق وحطيته على الترابيزة.
— طب تعالوا نقرأ الأوراق دي الأول.
حماتي كشرت:
— إيه ده؟
طلعت نسخة عقد الملكية:
— ده اسم صاحب الملك الحقيقي.




