روايات وقصص

قصة رجعت من عند بابا وماما

شيماء لوت بوقها:

— عادي، الأوراق بتتغير!

— مش من غير إذن صاحبتها.

وبعدين حطيت وصولات المقدم ومحضر الاستلام:

— وقبل ما تقولوا إن شريف جابلي سقف يلمني، بصوا على التواريخ كويس. أنا شارية الشقة دي قبل ما أعرف ابنكوا أصلاً.

فوزية وشها جاب ألوان وشحب:

— ده كذب وافتراء!

— اسألي ابنك.

كلنا بصينا لـ شريف.

ما نطقش ولا كلمة. السكوت بتاعه كان أكبر اعتراف.

بعدها حطيت كشوفات الحسابات والتحويلات البنكية:

— وده بقى الفلوس اللي كانت بتطلع من حساب بيتي عشانكم، في الوقت اللي كنت بفرك فيه عشان أستخسر في نفسي وفي ابني اللعبة والأكل الحلو.

شيماء مسكت ورقة وشها احمر من الكسوف والغيظ:

— شريف هو اللي كان بيبعتلي بمزاجه!

— تمام، وهو يفضل يبعتلك من فلوسه الخاصة، مش من حساب معمول لمصاريف ابني ومستقبله.

فوزية خبطت على الترابيزة بغل:

— أنتِ عايزة تخربي بيت ابننا!

— لا، أنتم اللي بقالكم سنين بتفهموني إن العيلة بالنسبة لكم هي أنتم الثلاثة بس، وأنا مجرد غريبة.

شريف قام وزعق:

— كفاية بقى يا ندى! أنتِ عاملة هيصة عشان شوية فلوس!

بصيت له ببرود وجمود دهشني أنا شخصيًا:

— الموضوع مش فلوس. الموضوع إنك سمحت لأمك تهددني بالطرد من بيتي اللي حيلتي، وفوق ده قاعد بتفكر إزاي تكتبه باسمها وباسمك!

في الفجر، سمعت صوتهم بيهمسوا ورا باب الأوضة. حماتي كانت بتقول بصوت واطي:

— خليها تمضي على أي توكيل أو تنازل الأول، قولها عشان خاطر الولد ومستقبله، وبعدين نبقى نشوف هنعمل إيه.

وشريف يرد:

— سبيها عليا يا أمي، لما تهدى خالص هعرف أقنعها.

ما فتحتش الباب…

كل اللي عملته إنني فتحت تسجيل الصوت في الموبايل وسبتهم يتكلموا براحتهم.

تاني يوم الصبح طلبت المحامية منى:

— أنا أخدت قراري.

— إيه هو؟

بصيت لـ مروان وهو نايم وحاضن لعبه:

— أنا هرفع قضية طلاق. ومش عايزة إنذارات، عايزة كل حاجة تتنفذ بالقانون وبأسرع وقت.

منى قالت لي:

— يبقى شيلي كل أوراقك المهمة في مكان أمين، وإياكي تمضي على أي ورقة يترجوكي فيها.

الظهرية، شريف دخل عليا بملف أزرق وابتسامة صفرة وناعمة:

— ندى، محتاجين نتكلم في ورقة بسيطة كده عشان نأمن مستقبل مروان ونحفظ حقه…

بصيت له، وبصيت للملف، ولأول مرة ما كانش عارف إنني كاشفة كل خطوة خططوا لها!

الجزء الأخير
فتحت الملف الأزرق وأنا واقفة مكان ما تحركتش.

شريف كان بيتكلم بسرعة وربكة:

— دي مجرد تفويض ليا عشان أعرف أخلص إجراءات الشقة لو أنتِ مسافرة أو مش فاضية، مش أكتر.

قريت أول صفحة. ما كانش تفويض عادي، ده كان إقرار وتنازل بإدارة وصلاحيات كاملة على التصرف في العقار.

قفلت الملف ببرود:

— مش همضي.

فوزية خرجت من المطبخ وهي بتصوت:

— رجعنا لنفس الدراما والنكد تاني؟

طلعت الموبايل من جيبي وحطيت سماعة صغيرة على الترابيزة، وشغلت تسجيلة الفجر.

صوت فوزية ملأ الصالة:

— “خليها تمضي على أي توكيل أو تنازل الأول… وبعدين نبقى نشوف هنعمل إيه.”

شريف اتسمر مكانه وما نطقش.

شيماء الضحكة اختفت من وشها تمامًا.

قفلت الصوت وقولت:

— أنا اتكلمت مع المحامية، وراجعت أوراق الملكية، وأمّنت حساباتي.. وأخدت قرار الطلاق.

شريف برّق:

— ندى! استني أنتِ بتقولي إيه؟

— لا، أنت اللي استنيت كتير أوي لحد ما ضيعتني وضيعت بيتك.

فوزية بدأت تصرخ وتدعي عليا إنني بظلم ابنها وبخرب بيته، بس كلامها ما بقاش يفرق معايا ولا يهز شعرة مني.

— قدامكم لحد بكرة العصر تكون شنطكم بره شقتي — قولت بحزم — لو ده ما حصلش، هعمل محضر عدم تعرض وأستدعي الشرطة لإخلاء الشقة بالقانون وتثبيت الحالة.

اللهجة اللي اتكلمت بيها غيرت جو الشقة تمامًا.

شيماء كانت أول واحدة تتراجع وخافت:

— ماما، تعالي نلم حاجتنا ونمشي أفضل.

فوزية بصتلها بغل، بس أخدت بعضها وبدأوا يلموا حاجتهم في نفس الليلة.

تاني يوم الصبح وقبل ما يمشوا، حماتي قربت مني وعينيها مدمعة:

— أنا كان كل قصدي أقف جنب ابني وأراعيه.

— لا، كان قصدك تحكمي وتسيطري على بيت مش بتاعك.

وطت صوتها:

— بلاش تخربي بيتك وتطلعي من الجوازة دي بخراب.

— بيتي ما اتخربش النهاردة، بيتي كان بيتخرب كل مرة ابنك كان بيطلب مني أستحمل إهانتك عشان هو مش قادر يوقفكم عند حدكم.

مشيت من غير ما تسلم.

شريف قعد أسبوع يحاول يرجعني. الأول بيتأسف، بعدين يرمي اللوم على أمه، وبعدين يقول إنه كان مضغوط، وفي الآخر قعد يعيط.

بس أنا كنت سمعت كل الأعذار دي وقرفت منها.

عن طريق منى المحامية، بدأنا إجراءات الطلاق رسميًا. الشقة خرجت تمامًا بره أي نزاع لأنها ملكيتي الخاصة من قبل الجواز وأوراقها رسمية ونظيفة. بالنسبة لنفقة مروان ومصاريفه، كل حاجة اتحددت بالقانون والمحكمة من غير مشاكل.

التفصيلة دي كانت مهمة ليا أوي: ما كنتش عايزة أنزل لمستواهم ولا أنتقم، كنت عايزة حقي وحق ابني بس.

لما قولت لـ شريف إنني هقعد فترة في الشرقية عند أهلي لحد ما أرتب شغلي، بصلي وكان مصدوم كأنه أول مرة يستوعب إن الحياة هتمشي من غيره:

— هو بجد مفيش فرصة تانية؟

— كان فيه فرص كتير أوي، بس أنت كنت فاكر إن طولة بالي مالهاش نهاية.

سافرت أنا ومروان عند بابا وماما.

بابا كان بيفرغ قفاص الفاكهة لما وصلنا. أول ما شافني نازلة بشنطتين، ما سألنيش أنتِ فشلتي ولا هتقعدي قد إيه، شال مروان وقال:

— نورتي بيتك يا بنتي.. هنا محدش يقدر يقولك كلمة تزعلك.

كانت أول مرة أعيط من أسبوعين.. مش خوف ولا زعل، كان عياط راحة وأمان.

بعد شهرين رجعت لشغلي، بس نقلت لفرع شركة أغذية تاني قريب من الشرقية بمرتب أقل حاجة بسيطة، بس مواعيد أريح تخليني أراعي مروان.

أما شقتي في المعادي، فأنا أجرتها عن طريق سمسار تبع طارق أخويا. الإيجار بقى يغطي باقي القسط البسيط وبيفيض منه مبلغ للزمن. الشقة اللي فوزية كانت فاكراها “بتاعة ابنها” بقت هي السند المالي لحياتي الجديدة.

وكان فيه مفاجأة أخيرًا…

في يوم، طارق أخويا كلمني وهو بيضحك:

— تخمني مين جالي المكتب يسأل على شقة صغيرة إيجار جديد ورخيصة؟

— مين؟

— شريف!

بعد ما خرجوا من شقتي، حماته وأخته كانوا متوقعين إنه يفضل يصرف عليهم وعلى سكنهم. بس لما بقى مطالب بنفقة مروان ومصاريفه الخاصة، مرتبه ما بقاش يكفي يصرف على ثلاثة كبار.

ما فرحتش في فقره ولا تمنيت له الأذى، بس حسيت برضا إن كل واحد في الآخر بيشيل نتيجة أفعاله وقراراته.

بعد أشهر، شريف جه الشرقية عشان يشوف مروان حسب المواعيد. جه شكله مطفي وأقل غرور بكثير.

وهو شايف مروان بيلعب مع بابا في الجنينة، قال لي:

— أنا دلوقتي بس حسيت باللي كنتِ بتعمليه.. المصاريف، والبيت، والأكل، والولاد.. أنا كنت فاكر الشقة بتدير نفسها بنفسها.

— الشقة ما كانتش بتدير نفسها، أنا اللي كنت شايلة كل حاجة معاك، لحد ما أنت قررت إن تعبي ملوش قيمة قصاد راحة أهلك.

بص في الأرض:

— أنا آسف.

— أتمنى تتغير عشان نفسك، بس أنا خلاص ما بقاش عندي طاقة أستنى.

لما مشي، مروان جرى عليا وجايبلي ثمرة فاكهة كبيرة من المزرعة:

— ماما، دي عشانك!

وطيت وبسته.

زمان كنت فاكرة إن الحفاظ على البيت يعني أستحمل الإهانة والظلم.. بس طلعت غلطانة. أوقات حماية عيلتك بتبدأ لما تقرري إن كرامتك وحقك خط أحمر.

الشقة ما كانتش أهم حاجة في القصة…

الأهم إنني استرديت نفسي وصوتي قبل ما يقنعوني إنني أستاهل أترمى في الشارع!
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى