روايات وقصص

قصة بعد وفاة جوزي الجزء 2 والأخير

خرج طارق من البيت بشنطة هدومه ورزع الباب وراه، وساب وراها سكوت تقيل كان أشد من صوت الزعيق. البيت اللي كان دافي بقى بارد زي الملاية، وشهد بنتي كانت لسه قاعدة على الأرض في الصالون، ضامة ركبها لصدرها ودموعها نازلة على وشها من غير صوت.
مشيت ناحيتها براحة، كل خطوة كانت بتوجعني في جسمي كأني طالعة من حرب. قعدت قصادها على الأرض، بصيت لوشها اللي اترست عليه علامات الخوف والندم. البنت اللي كنت شايفاها إمبارح بتتحداني، بقت قدامي مجرد طفلة مذعورة أدركت فجأة إنها كانت بتلعب مع تعبان وهي فاكراه لعبة.
رفعت وشها بإيدي بالراحة، وقالت بصوت مكسور ومتقطع:

* “ماما.. والله العظيم أنا آسفة.. هو كان بيكلمني بصوت هادي، كان بيقولي إني كبرت وبقيت جميلة، وكان بيبعتلي كلام حلو في الرسائل.. أنا حسيت إن عندي أب بيسمعني ومبينتقدنيش زي ما أنتِ بتعملي..

مكنتش فاهمة إن ده قذارة يا ماما.. صدقيني.”
الكلمات كانت بتنزل على قلبي زي السكاكين. عرفت إن جزء من الغلط كان عليا.. الجري ورا اللقمة والتفكير في المستورة خلاني أسيب بنتي فريسة سهلة لأي كلام حلو يسد الفراغ اللي سابه أبوها. بس الغضب واللوم مش هيصلحوا اللي انكسر.
بصيت في عينها بثبات وقولت:
* “شهد.. اللي حصل ده درس عمرك كله. طارق طار من البيت ده، بس الخراب اللي سابه جوانا محتاج يتصلح. من النهاردة مفيش دلع، ومفيش سر بيني وبينك.. خطك التلفوني هيتغير، وتلفونك هيفضل تحت عيني، ومش عشان مش واثقة فيكِ.. عشان أتعلم أحميكِ صح.”

هزت رأسها بلهفة ومسحت دموعها:
* “حاضر يا ماما.. والله حاضر، أي حاجة تقوليها هعملها.”
عدت أيام قليلة، والهدوء الشكلي بدأ يرجع للبيت، بس النار كانت لسه تحت الرماد.

طارق خرج ببدنته، بس حقد الراجل اللي اتفضح قدام نفسه كان لسه بيطاردنا.
في يوم الأحد، ورنة التلفون قطعت السكون. رقم غريب. رديت بحذر:
* “ألو؟”
جالي صوته، بس المرة دي مكنش الصوت الرزين المتدين، كان صوت ملغوم بالغل والكراهية:
* “فاكرة إنك كسبتي يا ياسمين؟ فاكرة إنك لما طردتيني وأخدتي الشقة والورق إني هسكتلك؟”
قلبي دق بسرعة، بس مسكت نفسي ورديت ببرود:
* “عايز إيه يا طارق؟ أظن أوراق الطلاق والتنازل معاك ومفيش حاجة تربطنا.”
ضحك ضحكة خفيفة تقشعر لها الأبدان وقال:
* “الطلاق والتنازل دول بليفي بيهم يا ياسمين..

أنتِ نسيتي إن طارق مبيخسرش؟ المذكرات اللي أنتِ قريتيها في المكتب كانت مجرد نسخة.. النسخة الأصلية والتسجيلات الصوتية اللي بيني وبين شهد من شهور، على فلاشة تانية معايا.. لو الفيديو اللي معاكِ اتسرّب أو فكرتي تروحي بيه للشرطة، أنا هرفع قضايا رد شرف، وهطلع بنتك هي اللي كانت بتتاردني وتتبلى عليا.. وساعتها وريني هتورّي وشك للناس إزاي!”
الدم اتجمد في عروقي. طارق كان مأمن نفسه من زمان! كان عامل حسابه لكل خطوة.. الراجل مكنش بيلعب بس، ده كان بيجهز مصيدة محكمة لينا من أول يوم دخل فيه البيت.
سكتت لحظات، وحسيت بالدنيا بتلف بيا، بس استجمعت قوتي وقولت:

* “أنت مريض يا طارق.. مريض ومكانك المستشفى أو السجن.”
رد بصرامة:
* “أنا قدامي خيار واحد يا ياسمين.. أنتِ هتنازلي عن كل حاجة كتبتها لك، وهتكتبي ورقة بخط إيدك إن الطلاق كان لعدم التوافق ومفيش أي مشاكل بيننا، وهترجعيلي كل حاجة أخدتيها.. وإلا القسم هيعرف الحكاية بس بروايتي أنا.. ومعايا الإثباتات اللي تخلي بنتك تتفصل من مدرستها وتتحسر على حياتها.”<br

/> قفل الخط في وشي قبل ما أرد.
وقفت في نص الصالة، والتلفون في إيدي بيترعش. التهديد كان مباشر وقاتل. طارق عارف إن نقطة ضعفي الوحيدة هي شهد وسمعتها، وعارف إن المجتمع مبيرحمش، حتى لو البنت مجني عليها، المراهقة والجهل هيتحولوا في نظر الناس لإنحراف وتفريط.
دخلت أوضة شهد، لقيتها قاعدة بتذاكر، وشها كان بدا يرجعله اللون الخفيف. بصيت لها وقولت لنفسي: “مش هسمح للكلب ده يهد حياتك تاني.. ولو كانت دي معركتي الأخيرة، هخوضها للاخر.”
قعدت على مكتبي وطلعت ورقة وقلم. بدأت أجمع كل الخيوط اللي معايا.

فيديو التهديد، تاريخ الرسائل، الشهود اللي شافوه وهو بيحاول يقرب منها، والتنازل الرسمي اللي وّثقه في الشهر العقاري يوم الطلاق.
في نفس الليلة، اتصلت بصديقة قديمة لينا، جوزها محامي كبير وبيفهم في قضايا الابتزاز الالكتروني والجرائم الأسرية. قابلته تاني يوم في مكتبه بعيد عن المنطقة اللي ساكنين فيها.
حكيت له كل حاجة بالتفصيل، وسمعته التسجيلات وعرضت عليه فيديو المواري. المحامي قعد يقلب في الأوراق وسكت شوية، وبعدين بصل بثبات وقال:
* “يا ياسمين هانم.. طارق بيلعب لعبة “عض الأصابع”..

هو مفيش معاه حاجة تقدر تدين شهد قانوناً لأنها قاصر (17 سنة)، والقانون بيعتبرها مجني عليها في كافة الأحوال تحت بند استغلال القاصر. كل التهديدات اللي بيعملها دي مجرد حرب نفسية عشان يرجع الشقة والفلوس اللي تنازل عنها.”
أخدت نفس عميق وقولت:
* “بس هو بيهدد بالفضيحة يا استاذ.. والناس مبترحمش.”
المحامي ابتسم ابتسامة خبيثة وقال:
* “الفضيحة سيف ذو حدين.. وطارق راجل بيعمل نفسه شيخ ومتدين قدام المنطقة وشغله. هو يخاف من الفضيحة أكتر منك بمليون مرة. احنا مش هنستنى لما هو يضغط.. احنا اللي هنهاجم.”
خطط المحامي كانت جهنمية.

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى