
وتفضل تتكلم معاها بصوت عالي وتهز فيها برخف وتهزها لحد ما تخليها تصحى من أحلى نومة وتفزع.
ولما البيبي تبدأ تهدأ وتسكت، تفضل تضايقها وتحركها بعنف لحد ما البنت تصرخ وتجيب أخرها من العياط!
وبعدها تبدأ تشيلها وتدخل بيها أوضتنا إحنا:
— الحق يا أحمد، أختك جيهان مش عارفة تنيم البنت، البنت مغلباكم ومبتقفلش عينها!
في ثانية، افتكرت كل الليالي اللي فاتت..
افتكرت كل يوم الساعة 3 بالليل لما كانت “هدى” بتدخل عليا الأوضة وشايلا فريدة وهي بتصرخ وتقولي: “البنت دي صعبة أوي يا جيهان.. الله يكون في عونك، حياتكم بقت جحيم”!
بصيت لسيف وأنا مش قادرة أستوعب:
— هي عملت كده كم مرة يا سيف؟
— مش عارف.. كتير.
— وليه مقتليش من أول يوم يا حبيبي؟!
شفته المبلولة كانت بترتعش وهو بيحاول يمسك نفسه:
— أنا حاولت أوقفها.. وقفت قدامها وقيلتلها سبيها..
— وقالتلك إيه؟!
سيف بص للأرض بكسرة:
— قالتلي بس يا ولد.. لازم أباك وأمك يفهموا ويتربوا ويعرفوا العيشة هتبقى عاملة ازاي مع العيل ده!
الدم غلى في عروقي بشكل مش طبيعي.. حسيت بنار طالعة من وشي.
سيف كمل كلامه وفسر لي اللغز اللي دمرني.. فسر لي هو ليه كان بينام تحت السرير!
قال لي إن أول ليلة حاول يفضل صاحي فيها في أوضته، تيتة شافته واقف في الكوريدور فخافت ورجعت أوضتها.
وفي ليلة تانية، غصب عنه نام.. ولما فتح عينيه لقي تيتة خلاص شالت فريدة وداخله بيها علينا الأوضة.
عشان كده أخد القرار ده..
لو فضل صاحي تحت سرير أخته.. أخته هتبقى في أمان ومحدش يقدر يقرب لها!
ابني اللي عنده 7 سنين.. بقاله أسبوعين كاملين واقف حراسة وسهران طول الليل، عشان حاسس إن مفيش ولا حد كبير في البيت ده قادر يحمي أخته الصغيره!
صحيت أحمد فوراً من النوم..
أحمد لما سمع الكلام وشاف انهيار سيف، وشه بقى أصفر زي الورقة ومبقاش قادر ينطق.
نزلنا بسيف وحصرينا “هدى” في الصالة.
ما صرختش.. وما عملتش دوشة.. سالتها سؤال واحد وبصوت يرعب من كتر الهدوء:
— أنتِ بتصحي فريدة بالليل بالقصد يا طنط؟
حماتي اتسمرت مكانها وما نطقش.
أحمد بص لها ونبرة صوته مكسورة:
— أمي.. قولي حاجة!
هدى بلعت ريقها بالعافية وقالت وهي بتهرب بعينيها:
— أنا.. أنا أقدر أفهمكم الموضوع..
أحمد قالها بصوت طالع بالعافية:
اتفضلي فهمينا!
بس سكوتها وارتباكها كان هو الرد الحقيقي قبل ما تنطق بأي كلمة.
في صباح اليوم ده، أخدنا إجراءات سريعة عشان نضمن أمان أولادنا. أخدنا فريدة للدكتور وفحصها والحمد لله طمنا إنها بخير.
“هدى” لمت حاجتها ومشيت راحت تقعد عند اختها في شقة ثانية، وأنا وأحمد كنا بنحاول نلم أشتات نفسنا ونستوعب القسوة دي.
كنت فاكرة إننا عرفنا كل الحقيقة وأن الموضوع مجرد قسوة قلب وحقد من حماتي..
بس طلعت غلطانة..
عشان بعد كم يوم بس، لقيت مسج على الموبايل حولت الموضوع من مجرد قسوة.. لمصيبة ورعب أكبر بكثير مما يتخيله عقل!
بعد ما “هدى” لمّت حاجتها ومشيت راحت عند أختها، الشقة بدأت تهدأ ظاهرياً، بس المشاعر جواه كانت زي البركان. أحمد كان متدمر، مش قادر يستوعب إن أمه تعمل كده في حفيدتها عشان تضغط علينا أو تحسسنا بالذنب وتثبت رأيها إن “البنت هتتعبنا”. وأنا كنت حاسة بذنب رهيب ناحية سيف.. الولد اللي شال همّ أكبر من سنه بكتير، والحمد لله من يومها رجع ينام في سريره وهو مرتاح ومطمن إن أخته في أمان.
عدى حوالي 5 أيام. الحياة بدأت تاخد شكل هادي بالتدريج. وفي يوم، أحمد كان في الشغل، وأنا كنت قاعدة في الصالة برضع فريدة وسيف بيلعب جنبه بالدبابات بتاعته.
موبايل البيت القديم -أو الموبايل التاني بتاع أحمد اللي بيسيبه في البيت للطوارئ- رن.. كان فيه مسج جرد (SMS) وصلت عليه.
مسكت الموبايل افتكرتها رسالة من الشركة أو إعلان، بس لقيت الرقم غريب.. ومش رسالة واحدة، دي كانت سكرين شوتس (صور للمحادثات) مبعوتة من رقم مجهول ومعاها رسالة مكتوب فيها:
“أظن لازم تعرفوا الحاجة هدى كانت بتخطط لإيه بالظبط.. افتحي الصور وانصدمي”.
إيدي كانت بترتعش وأنا بفتح الصور.
المحادثة كانت بين “هدى” حماتي، وبين واحدة صاحبتها أو قريبتها من البلد.. المحادثات كانت من شهرين فاتوا، يعني قبل ما فريدة تتولد بأسابيع!
بدأت أقرأ الرسائل والدم بيتجمد في عروقي:
هدى كاتبة: “الدكاترة أكدوا إن البنت هتطلع بظروف خاصة.. أحمد وجيهان عقولهم جزمة ومصممين يخلفوها ومش راضيين يسقطوها.. أنا مش هسيب ابن يضيع عمره وفلوسه على عيل مش طبيعي”.
صاحبتها رادة عليها: “طب وهتعملي إيه يا هدى؟ خلاص هي قربت تولد!”
هدى كاتبة بكل جحود وقسوة: “أنا هقعد عندهم بعد الولادة.. هعمل نفسي بساعدهم، وهسهر البنت دي كل يوم بالليل وأخلي حياتهم جحيم ولا يطاق.. هخليهم يكرهوا اليوم اللي جابوها فيه، وأقنع أحمد ينقلها دار رعاية خاصة أو مكان للمرضى بعيد عن الشقة، عشان يفوق لنفسه ولابنه الكبير.. لازم أعرفهم إن كلامي هو اللي يمشي، والبت دي مش هتعيش وسطنا وتدمر عيلتي!”
الموضوع مكنش مجرد قسوة ولا نكد حموات العادي.. دي كانت خطة متطورة ومحسوبة بالمليم عشان تضغط على نفسيتنا، وتخلينا نوصل لمرحلة الانهيار العصبي، وفي الآخر نقتنع بكلامها ونرمي فريدة في دار رعاية أو ناخد قرار نتخلي عنها!
الرسالة اللي جاتلي كانت من أخت صاحبتها دي، لما عرفت باللي حصل وطردنا لهدى من البيت، ضميرها صحي وقررت تبعتلنا الخطة عشان نعرف حقيقتها كاملة.
قعدت على الأرض وأنا مش قادرة أصرخ حتى.. الدموع كانت بتنزل من عيني في صمت.
فريدة كانت نايمة على صدري بتهدئة، وسيف كان بيضحك وبيغني جنبنا..
في اللحظة دي، أدركت قد إيه ربنا كان رحيم بينا، وقد إيه سيف مكنش مجرد طفل.. سيف كان الملاك اللي ربنا بعته عشان ينقذ أخته وينقذ العيلة دي من مصيبة كان ممكن تدمرنا نفسياً للابد.
لما أحمد رجع من الشغل وقرأ الرسائل، انهار تماماً. بكى زي الأطفال من كتر الصدمة في أمه.
في نفس اليوم، أحمد اتصل بأمه، وقالها جملة واحدة بصرامة وصوت زي الحديد:
“يا أمي.. أنتِ مابقاش ليكي ابن اسمه أحمد، ولا أحفاد اسمهم سيف وفريدة.. تنسينا خالص، وما تفكريش تخبطي على بابنا تاني طوال حياتك”.
وقفل السكة في وشها قبل ما تنطق بكلمة، وبلك رقمها من موبايله وموبايلاتي.
عدت الأيام، وغيرنا كالون الشقة، وركبنا كاميرات مراقبة في الصالة وأوضة الأطفال.
وفريدة كبرت ودلوقتي عندها سنة.. ضحكتها بتملا البيت، وسيف بيموت فيها وما بيسيبهاش لحظة، بيساعدها تتعلم المشي وبياخد باله منها زي أكبر حارس شخصي في الدنيا.
علمتني التجربة دي إن ساعات الأطفال بيبقى عندهم استبصار وحنان أعمق بكثير من كبار السن، وأن الحب الحقيقي والرباط الأسرى أقوى من أي حقد وقسوة.



