روايات وقصص

قصة حماتي كتبت علي الحيط

ما رديتش عليها.. مشيت ببطء وحطيت حزمة الأوراق ورسالة المحكمة على الطاولة في النص بين الكل.

الحاجة هدى بصت للورق اللي على الطاولة باستهزاء، وقالت وهي بتميل بدماغها:

— “إيه الكراكيب دي كمان؟ جاية تورينا فواتير الشاي والسكر اللي جبتيهم من 20 سنة؟”

أخت جوزي الصغيرة ابتسمت بشماتة وقالت:

— “سيبك منها يا بابا، دي جاية تعمل شو عشان تهرب من الفضيحة اللي عملتها في البلد.. صور الباب مالية الفيسبوك والناس كلها بتدعي عليكي.”

أنا قعدت على الكرسي قدامهم، حطيت رجل على رجل وركبت الثبات الانفعالي كله في لحظة. بصيت لمحمود وقلت له بصوت هادي:

— “اقرأ لهم يا محمود.. اقرأ لأمك وأخواتك عشان يعرفوا مين الحرامي ومين اللي طافح الكوتة عشان يسترهم.”

محمود كان وافق ورا الكنبة، وشه أصفر زي الليمونة المعتصرة، شفايفه بترتعش وما كانش قادر ينطق كلمة.

الحاجة هدى نترت الورق بإيدها وهي بتقول بعصبية:

— “ما تنطق يا محمود! في إيه؟ العُقبة دي جايبة إيه معاها؟”

محمود سحب نفس بالعافية، ومسك أول ورقة، صوته كان طالع ب بالعافية ومكسور:

— “ده… ده إعلان بالطرد من الشقة يا أمي.”

الصالون كله سكت فجأة. السكوت كان تقيل زي الجبل.

الحاجة هدى ضحكت ضحكة مجنونة وقالت:

— “طرد إيه يا هبل؟ دي شقة ابني! الشقة دي محمود شاريهالك بفلوسه وعرقه عشان نعيش فيها أنا وأبوك!”

محمود بصلها والأرض مش شايلاه وقال:

— “لا يا أمي… الشقة مش . دي إلهام هي اللي دفعت أقساطها من مرتبها 14 سنة. وأنا… أنا تنازلت لها عن حصتي فيها رسمياً في الشهر العقاري من 8 سنين لما وقعت في ديون الشركة وهي اللي سددت عني 600 ألف جنيه عشان ما أتسجنش.”

أخت جوزي الكبيرة وقفت مصدومة:

— “إيه اللي أنت بتقوله ده يا محمود؟ أنت اتجننت؟ يعني الشقة دي باسمها هي؟!”

أنا سحبت الورقة التانية وحطيتها تحت عين الحاجة هدى مباشرة:

— “مش بس يا حاجة… شايفين الورقة دي؟ ده بلاغ رسميّ للنيابة العامة بتهمة الإتلاف العمد للممتلكات والتشهير، ومرفق معاه أسطوانة مدمجة عليها تفريغ كاميرات المراقبة بتاعة السوبر ماركت… الكاميرا جابتك وأنتي نازلة الساعة 4 الصبح بطرحتك السودا وتكتكتك بالرش الأحمر، والشهود مستعدين يشهدوا إنك أنتي اللي كتبتي “حرامية”.”

الحاجة هدى عينها وسعت، إيدها راحت لقلبها وبدأت تتنفس بصعوبة، لونها خطف وبصت لمحمود بنظرة رجاء ومفاجأة:

أنت تسيب مرتك تعمل في أمك كده يا محمود؟ عايزة تحبسني؟ عايزة ترميني في الشارع أنا وأبوك الراجل المريض؟”

محمود بص للأرض ودموعه نزلت:

— “أنا قلت لك بلاش يا أمي… قلت لك دي فلوس مكافأتها وتعبها، أنتي اللي أصريتي تفضحينا.”

هنا أخت جوزي الصغيرة جرت عليا بأسلوب :

— “أنتي فاكرة نفسك مين؟ أنتي وحدة مفترية! والله لنفضحك في كل مكان ونقول إنك طردتي حماكي وحماتك!”

بصيت لها بمنتهى القسوة وقلت:

— “اعمليها… وريني شطارتك. والفيسبوك اللي شيرتم عليه صورة الباب، بكره هينزل عليه عقد الشقة بالتاريخ والمبالغ، وينزل عليه فيديو أمك وهي بترش البويمة زي الحرامية بالليل. ساعتها الشارع والقرايب هيعرفوا مين اللي عاش 30 سنة يخدمكم وينفق عليكم ومين اللي رد الجميل بالغل والوساخة.”

أبو جوزي (الحاج كمال) خرج من  ببطء على عكازه، كان سامع كل حاجة. بصلهم كلهم بنظرة خيبة أمل وقال بصوت مكسور:

— “صحيح الكلام ده يا محمود؟ أنتي يا هدى عملتي كده؟ تروحي ترشي بوية على بيت ست طيبة ربت بنتها بشرفها؟ دي مش بتاعتنا؟”

الحاجة هدى ما عرفتش ترد، بدأت تعيط وتصوت:

— “يا لهوي يا … يا خرابي يا ناس!”

وقفت من مكاني، عدلت شنطتي على كتفي، وبصيت للحاجة هدى وقلت لها بكل حسم:

— “عندك خيارين يا حاجة Teresa… قصدي يا حاجة هدى.

الأول: بكره الصبح الساعة 8 تكوني أنتي وبناتك في البلد عند أمي. تنزلوا من العربية، وتمسكوا السلك والمذيب، وتمسحوا كلمة “حرامية” بإيديكم قدام أهل الشارع كلهم، وتتأسفوا لأمي وتُبوسوا إيدها ورأسها قدام الناس.

وتاني حاجة: بناتك ينزلوا بوست اعتذار رسمي على الجروب اللي شهروا بيا فيه ويكتبوا الحقيقة.

لو ده حصل… هتنازل عن المحضر، وهسيبكم قاعدين في الشقة بعقد إيجار رمزي لحين وفاتكم، بس الشقة تفضل باسمي.

لو ده ما حصلش… بكره المحضر هينزل النيابة، وخلال 15 يوم هتوصلكم المحضرين بعقد الإخلاء، وجروب العيلة هيعرف الحقيقة بالورق والمستندات.”

سيبتهم ومشيت. صوت صريخ الحاجة هدى وخناقهم مع محمود كان مسموع لحد الشارع تحت.

تاني يوم الصبح… الساعة 7:30 صباحاً.

كنت واقفة في صالة بيت أمي في البلد، بنشرب الشاي.

فجأة، سمعنا صوت عربية وقفت قدام الباب.

أمي بصت لي بخوف:

— “في إيه يا إلهام؟ مين اللي بره؟”

قلت لها برضا وثقة:

— “تعالي يا أمي… تعالي شوفي الحق وهو بيرجع لأصحابه.”

خرجنا على الباب… كانت الحاجة هدى نازلة من العربية، وراها أختين محمود، ومعاهم جردل جاز وسلكة صلب. وشهوم كانت في الأرض، والران بدأوا يتجمعوا ويتفرجوا.

الحاجة هدى مشيت بخطوات تقيلة، وبصت لأمي وبكت بكسرة:

— “سامحيني يا أم أحمد… أنا أخطأت في حقك.”

ومسكت السلكة، وبدأت هي وبناتها يمسحوا الطلاء الأحمر بدموع وحسرة قدام الشارع كله. محمود كان واقف بعيد، مش قادر يحط عينه في عيني.

أمي بصت لي ودمعتها نزلت، بس المرة دي كانت دموع فرحة وفخر. مسكت إيد أمي وقلت لها:

— “البيت ده اتبنى بعرقي، وكرامتك خط أحمر ما حدش يقدر يدوس عليه طول ما أنا عايشة.”

دخلنا البيت الجديد، قفلنا الباب الصاج النظيف، وبدأنا حياتنا الجديدة… من غير ما نسيب حقنا ولا نسيب كرامتنا تحت رجليين حد.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى