
كنا بنصحى قبل الفجر، الساعة خمسة الصبح بالظبط، لما الضوء يكون لسه بيتشد بالعافية من ورا الشباك، والهواء ساقع كأن الليل لسه ما مشيش. نبدأ تنظيف، وبعده الفطور، وبعدين نجهز للغدا، وندخل في مرحلة العشاء.. وما بين كل ده، شغل ما بينتهيش! مجهود مواصل ما بيعرفش راحة، وما بيسبش في القلب غير الهدد والتعَب. شغل.. شغل.. شغل، وكانت الحياة روتينية، تقيلة، بتعدي ببطء كأن الأيام صورة طبق الأصل من بعضها، ما بقيناش نعرف نقرّق بين الصبح والامبارح!
مر شهر.. والحمد لله.
ما عدتش أيام كتيرة لحد ما عرفت إني حامل! الفرحة ملت قلبي زي ما حصلش قبل كده.. فرحة شبه النور لما يتسلل لأوضة ضلمة فيصحّي كل حاجة فيها. ربنا رزقني بأول مولود، ولد.. كنت شايفاه هو الدنيا كلها، أشيله وكأني شايلا الحياة كلها بين إيديا. كان أول حفيد في العيلة من ناحية مصطفى، وكان جده وجدته طايرين بيه ودلعه مالوش آخر، وكنت شايفه نفسي في النظرات دي أم محاطة بالنعمة والأمان.
بس النعمة دي ما جتش على هوى مرام ولا عجباتها! من اليوم ده، كل حاجة اتغيرت.. اهتمام الجدين بابني بقى نار بتاكل في صدرها، وشفت الحقد بيكبر في عينيها؛ حقد عليا وعلى طفلي سوا. بدأت تتقل عليا في شغل البيت كله، لحد ما بقيت لوحدي بشيل البيت وأعمل كل حاجة، وهي تقعد أوقات حاطة رجل على رجل، وتشور بإيدها ببرود يقسي القلب: ـ “اعملي هنا.. نضفي هنا.. عدلي ده.. النهاردة عايزين الطبخة الفلانية!”
وأنا أصبر.. أقول لنفسي: “اصبري يا بنت الحلال، ما تعمليش مشاكل، ما تكبريش الموضوع، سيبيه يعدي.” كنت أكرر جوايا: “أنتي جاية من بيت محترم، أبورك رباكي أحسن تربية وأمك ما قصرتش في حاجة.. ما تدخليش البيت ده وتعملي قلق.” كنت فاكرة إن البنت لو طالبت بحقها تتقال عليها بتاعة مشاكل، ولو قالت “لأ” تبقى قليلة الأدب، ولو اعترضت تتوصف بالقسوة والوقاحة! كنت فاكرة إن الدفاع عن النفس عيب، وإن السكوت فضيلة، وإن الاحتمال بطولة.
كنت صغيرة.. اتجوزت وأنا عندي 18 سنة، لا خبرة في الدنيا ولا فاهمة يعني إيه حدود. مرت السنين، وجيه طفلي الثاني، وبعده الثالث.. ثلاثة أولاد، وحياة روتينية ما بيتغيرش فيها أي حاجة إلا أنا.. كنت أنا لوحدي اللي بتتغير وبتاكل في نفسها في صمت.
الكاتبة نرمين عادل همام
ولما كبر ابني الكبير “أسامة” شوية وبقيت أوصله للمدرسة كل صباح، كنت أقف أوقات قدام البوابة، أبص للبنات بزيّهم المدرسي.. فأحس بقلب قديم في صدري بيصحى، وأهمس لنفسي: “يا رب.. لو كنت كملت تعلييمي، لو دخلت الجامعة، لو مشيت في السكة دي اللي اتأفلت بكير في وشي!”..
وبعدين أرجع أبتسم بحزن خفيف، وأقول لنفسي زي اللي بطبطب على جرحه: “الحمد لله.. ليه دايماً بنبص للي مش في إيدنا، وما بنبصش للي ربنا أغدق بيه علينا؟ هو مش أولادي دول نعمة؟ مش الحياة دي، رغم قسوتها، مليانة خير خفي؟”.. وأمشي وأكمل يوم جديد من الصبر.. صبر بقى شبه العادة، وشبه العبادة.
كنت بفكر نفسي دايماً: أنا متجوزة، عندي راجل بيحبني وأولاد وحياة مستقرة، فليه أطمع في أكتر من كده؟ كنت أوبّخ قلبي لما يضعف: “يا بنت احمدي ربنا.. ما تبقيش طماعة!”.. فأبلع أمنياتي وأمشي.
وكنت بحرص من وقت للتاني إن أقابل صاحبات المدرسة؛ دي متجوزة، ودي مطلقة، ودي زواجة تانية.. وكلنا ماشيين في دنيتنا بنفس الإيقاع المتعب، شايلين أيامنا ونازلين نجر ورانا التعب، ونتظاهر بالقوة عشان نعرف نكمل.
مرت السنين على الروتين التقيل ده.. أولاد، وبيت، وهموم ما بتنتهيش. وبعد ثلاثة أولاد، ربنا رزقني ببنوتة.. وكانت دي آخر حمل ليا، لأن الدكتور حذرني إن الحمل بعدها ممكن يعرض حياتي للخطر.
كانت بنتي دي روحي وقلب عمري، وكانت في قلب أبويها حاجة ما تشبهش أي حاجة تاني! كان مصطفى بيعشقها عشق ميتوصفش، يدلعها، وينفذ لها كل طلب.. مستحيل حد يرفع صوته عليها أو يقول لها “لأ”. كانت ملكة البيت بلا منازع، تمشي فيه زي نور صغير بيطرد شوية من ضلمة الأيام.




