عام

قصة لم يحضر أحد عيد ميلادها لأن والدها عامل نظافة

أليس هذا محاسبنا
وقالت أخرى بدهشة
وذاك طبيب الأسنان الذي نعالج عنده منذ سنوات!
وأشار رجل ثالث وهو يبتلع ريقه
وصاحب المطعم الفاخر الذي نحجز عنده في الأعياد ما الذي يفعله هنا
كانوا جميعا هناك.
يرتدون سترات جلدية يضحكون يشاركون طفلة صغيرة فرحتها.
لم يكن بينهم فرق طبقي ولا مسافة اجتماعية.
كانوا ببساطة بشرا قرروا أن يكونوا حاضرين.
وفي تلك اللحظة انفلتت صوفيا الصغيرة من يد أمها.
لم تفعل ذلك بعناد ولا تمرد
بل باندفاع صادق لا يعرف الحسابات.

ركضت نحو إيما وشعرها يتطاير وصوت خطواتها يقطع التردد الذي خيم على المكان.
صرخت
إيما!
التفتت إيما وما زالت ترتدي خوذتها الوردية وملامحها متوهجة بالفرح.
ترددت للحظة كأنها لا تصدق ما ترى.
وقفت صوفيا أمامها تتنفس بسرعة وقالت بصوت منخفض
أنا أنا آسفة.
أمي لم تسمح لي أن آتي.
لكن هل أستطيع أن أحتفل معك الآن
لم تتكلم إيما فورا.
نظرت إلى صوفيا ثم إلى والدها ثم إلى الدراجين من حولها.
تلك الطفلة التي تعلمت في يوم واحد معنى الرفض ثم معنى الاحتواء.
ثم ابتسمت.
ابتسامة واسعة خالية من أي مرارة.
قالت
طبعا. هذه حفلة للجميع.

كان ذلك العناق الصغير كافيا ليكسر آخر ما تبقى من جدار الوهم.
رأيت بعض الأمهات يدرن وجوههن خجلا.
ورأيت آباء ينظرون إلى الأرض وكأنهم يحاسبون أنفسهم بصمت.
أما ميغيل فكان يقف بعيدا قليلا لا يعرف ماذا يفعل بيديه.
عيناه ممتلئتان لكن دموعه لا .
ذلك الرجل الذي اعتاد  تعبه كل يوم
كان يشاهد ابنته تستعاد إلى العالم أمام عينيه.
اقترب منه الثور ووضع يده الثقيلة على كتفه.
لم يقل شيئا.
لم يكن هناك ما يقال.
كانت تلك اللمسة وحدها كافية لتقول
لست وحدك.

مع مرور الوقت بدأ بعض الأطفال الآخرين يقتربون.
الدراجات كانت مغناطيسا
لكن ما جذبهم حقا كان الضحك
ذلك الضحك الذي لا يعرف من هو ابن من ولا ماذا يعمل والد هذا أو ذاك.
وقفت لورا بعيدا تراقب المشهد.
رأت ابنتها تضحك مع إيما.
رأت كيف لم يسأل أحد عن المهنة ولا عن المكانة.
وشعرت لأول مرة بأن كل ما كانت تظنه حماية اجتماعية لم يكن سوى جدار خوف.
اقتربت بخطوات بطيئة.
توقفت أمام ميغيل.
لم يكن الاعتذار سهلا لكنه كان ضروريا.
قالت بصوت منخفض
أنا أعتقد أننا أخطأنا.
نظر إليها ميغيل بهدوء.
لم يكن في عينيه شماتة ولا انتصار.

كان هناك فقط تعب قديم وكرامة صامتة.
قال
المهم أن الأطفال هنا الآن.
هزت رأسها ولم تجد ما تضيفه.
ومع غروب الشمس كانت الحديقة قد تحولت إلى شيء آخر.
لم تعد مساحة مستأجرة في حي راق
بل مكانا شهد درسا حيا في الإنسانية.
حين أطفئت الشموع وقفت إيما في المنتصف
أغمضت عينيها وتمنت أمنية.
لم نسمعها.
لكنني رأيتها لاحقا تهمس في أذن أبيها
أتمنى أن لا يشعر أي طفل بعد اليوم بما شعرت به قبل أن تأتوا.
عانقها ميغيل طويلا.

ولأول مرة منذ زمن لم يشعر بأن تعبه يضيع.
أما نحن فقد غادرنا واحدا تلو الآخر
وصوت الدراجات يملأ الشارع
لكن ما بقي في المكان لم يكن الضجيج
بل أثر لا يمحى.
ذلك اليوم لم يكن مجرد عيد ميلاد.
كان مرآة.
ومن نظر فيها
لم يخرج كما دخل.

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى