عام

قصـة فـي صـمت الطـوارئ كـاملة بقلـم منـي السـيد

الدكتور افتكر إنها مجرد كرتونة قديمة ومالهاش لازمة.. لحد ما الطفلة الصغيرة همست بكلمة خلت “الطوارئ” كلها تسكت صمت رهيب: “ماما كانت هترميه في الژبالة”. ​الكرتونة المتبهدلة كانت بتهتز بين إيدين بنت عندها ست سنين، واللي كان جواها خلى أكتر دكاترة الطوارئ خبرة يرجعوا لورا من الصد.مة.

 

​كانت الساعة 11:47 بالليل، لما أبواب طوارئ “مستشفى الشفاء” اتفتحت بسرعة. كل الحركة وقفت، والعيون كلها اتجهت للباب.

​بنت صغيرة واقفة عند المدخل، حافية، وفستانها متبهدل بطينة الأرض. وشها كان متلـ،ـطخ بالتراب، مفيش فيه حتة نضيفة غير خطين رسمتهم دموعها وهي نازلة على خدودها. كانت بتجر وراها “عربية خشب” متهالكة،  وفوقيها كرتونة مضغوطة، مبلولة، ومقـ،ـطوعة من الجوانب.

​”أبـ،ـوس إيديكم الحقوا أخويا الصغير!”.. صړخت بصوت مخڼوق: “محتاج دكتور بسرعة.. أرجوكم!”

​دكتور يحيى، اللي عنده اتنين وأربعين سنة وكان في قمة تعبه بعد “نبطشية” استمرت ساعات، اتقدم ناحيتها من غير تفكير. خمستاشر سنة شغل في طوارئ المستشفيات الحكومية شافت عينه فيهم كل حاجة؛ حـ،ـوادث طرق ، إصـ،ـابات صعبة، وحالات ۏفـ،ـاة بتفضل مأثرة فيه لحد ما يروح لبيته.

​لكن المنظر ده كان حاجة تانية خالص.

​نزل على ركبه قدامها وهدّى صوته وهو بيسألها بحنان:

“يا حبيبتي، فين بابا أو ماما؟”

​مردتش عليه. وبدل الكلام، مسكت إيده بقوة وشدته ناحية العربية الخشب وهي بتقول بلهفة:

“لازم تلحقه.. دلوقتي حالا!”

​الممرضة ميرفت جريت عليهم، ووشها اصفرّ أول ما شافت المنظر. الدكتور والممرضة ميلوا على الكرتونة، وبراحة جداً، يحيى بدأ يفتح أطراف الكرتونة المبلولة.

​فجأة، رجع يحيى لورا “مخضوض” بشكل تلقائي.

​جوه الكرتونة كان فيه طفل رضيع، لسه مولود، ملفوف في ورق جرايد قديم وۏسـ،ـخ. دماغه كانت متور.مة بشكل يخوف، وحجمها أكبر بكتير من جسمه الصغير.  جلده كان باهت زي الأمـ،ـوات، وصـ،ـدره بيتحرك بحركات ضعيفة ونبضات مش منتظمة.

​ميرفت كتمت صړختها وحطت إيدها على بوقها من الصد.مة: “يا نهار أبيض.. يا رب استر!”

​البنت الصغيرة وقفت فجأة بين الدكتور وبين الكرتونة، وفردت دراعاتها النحيفة كأنها “درع” بيحمي الرضيع. عينيها كانت بتلمع بنظرة حماية شـ،ـرسة متطلعش من طفلة في سنها.

​”هو مش وحـ،ـش!”.. صړخت وهي بتشهق من العياط: “ماما قالت إنه بايظ.. قالت هترميه في الژبالة. بس أنا مخلتهاش تعمل كده.. أنا اللي أنقذته.. أنا اللي أنقذته!”

​المستشفى كلها سكتت صمت المـ،ـۏت.

​يحيى حس بحاجة بتتحـ،ـطم جوه قلبه.. ۏجـ،ـع كان حابـ،ـسه جوه صندوق مقفول من خمس سنين، من ليلة ما بنته “أمل” مـ،ـاټت في حاډثة عربية. من وقتها وهو بيهرب من حالات الأطفال، لأن الۏجع كان بيبقى فوق طاقته.

​لكن قدام الطفلة المړعوپة دي، والروح الضعيفة اللي بټصـ،ـارع عشان تتنفس، عرف إن هروبه انتهى.

​بص للممرضة وقال بحزم: “ميرفت، اطلبي استشاري جـ،ـراحة الأطفال فوراً.” وبعدين لفت للبنت وسألها: “اسمك إيه يا بطلة؟”

​همست وهي لسه بتحرس الكرتونة: “مريم”.

​”يا مريم، أنا دكتور يحيى. أنا هاخد أخوكي جوه عشان نساعده. أوعدك مش هأديه.. تثقي فيا؟”

​ترددت لحظة.. وبعدين هزت راسها ووسعت له الطريق.

​الطفل دخل العمليات في دقايق. التشخيص كان “استسقاء في الدماغ”.. حالة صعبة جداً، لكن علاجها ممكن.

​بعد ساعات، ومع خيوط الفجر الأولى، العملية نجحت. الطفل هينمو وهيعيش.

​لما يحيى رجع لصالة الانتظار، لقى مريم نايمة على كرسي بلاستيك، وحاضنة الكرتونة الفاضية وهي نايمة. صحاها بالراحة.

​”هيبقى كويس يا مريم.. أخوكي بطل زيك.”

​وشها نور بابتسامة وسط الدموع وسألته: “يعني هو مش بايظ؟”

​يحيى بلع غصّة في حلقه وقال لها: “لا يا مريم.. هو مكنش بايظ أبداً.”

​الجهات المختصة وصلت الصبح، وعرفوا إن الأم كانت بتعاني من “اكتئاب ما بعد الولادة”   بشكل حاد وصل لمرض نفسي، هي مكنتش شـ،ـريرة، هي كانت مريضة ومحتاجة علاج.

​الطفل اتنقل لدار رعاية مؤقتة.. ومريم كمان.

​مرت الأسابيع، ويحيى مكنش قادر يشيل مريم من تفكيره. البنت اللي جرت عربية خشب في نص الليل عشان تنقذ روح.

​في يوم، جاله اتصال من الشؤون الاجتماعية: “دكتور يحيى، مريم سألت عليك.. بتقول إنك وعدتها تهتم بأخوها.. وهي بتثق فيك أنت بس.”

​يحيى بص لصورة بنته “أمل” اللي على مكتبه وهي بتضحك.. وفي الليلة دي، مضى على أوراق “كفالة” كان حالف إنه مش هيقرب منها أبداً.

​بعد ست شهور، الكرتونة القديمة كانت محطوطة في ركن في صالة بيت دافي.. متصلحة بلزق ونضيفة. مريم رفضت ترميها.

​قالت له: “دي بتفكرني إني كنت شجاعة.”

​وأخوها الصغير كان نايم في سـ،ـريره جنبه، بيتنفس بهدوء وصحة.

​يحيى بص لهم وفهم حاجة كان نسيها في غمرة حزنه:

“أحياناً، اللي بينقذوا الأرواح مش لازم يلبـ،ـسوا بالطو أبيض.. ساعات بيبقوا أطفال حافيين، رفضوا يسيبوا الحب يترمي في الژبالة.”

النهـاية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى