
ابني “سيف” عنده 7 سنين، بقاله كام ليلة بينام تحت سرير أخته الصغيرة “فريدة” اللي لسة مولودة. في الأول افتكرت إنه مجرد حُب زيادة وعايز يفضل جنبها، لحد ما الساعة جات 2 بالليل وسمعته بيهمس في الـ Monitor بتاع الأطفال:
— متخافيش يا فريدة، أنا مش هنام الليلة دي.. مش هخلي التيتة تعمل فيكي كده تاني!
قمت من السرير من غير ما أعمل أي صوت، ورجلي مش شايلاني.
سيف كان بقاله يجي 3 سنين بيموت ويجيب أخ أو أخت.
في رأس السنة، في عيد ميلاده، لما يشوف بيبي في السوبر ماركت ولا حتى وأحنا بنفطر في الفول والطعمية، كان لازم يسأل نفس السؤال:
— ماما، هو أنا امتى هبقى أخ كبير؟
علشان كده، لما أنا وجوزي “أحمد” قرينا تحليل الحمل وعلمناه بالمفاجأة، سيف صرخ بعلو صوته لدرجة إن الجيران في العمارة خبطوا على الباب فاكرين في مصيبة!
طول شهور الحمل كان بيكلم بطني، ويختار أسامي، ويرسم رسومات ويلزقها على الحيطة جنب السرير اللي اشتريناه للبيبي.
لما “فريدة” شرفت الدنيا، حياتنا اتلخبطت أكتر ما كنا متوقعين.
الدكاترة في المستشفى بلغونا إن فريدة اتولدت بسندروم داون. وفي ثواني لقينا نفسنا وسط دوامة مصطلحات غريبة: فحوصات، لدكاترة مخ وأعصاب، علاج طبيعي، وجلسات تخاطب ومتابعة قلب.
أنا وأحمد كنا مذهولين ومصدومين ومش عارفين نعمل إيه.
بس سيف لأ..
أول مرة شال فيها أخته، قعد يبص لها شوية بتركيز، فريدة فتحت عينيها الصغيرين ومسكت صباعه.
سيف ابتسم ووشه ينور:
— دي قمر أوي يا ماما.. كاملة وزي الفل.
من اليوم ده، وبقت بالنسبة له “البيبي بتاعي”.
يختار لها طقم الخروج، يقعد جنبها لما تعيط، ويوري صورها لأي حد يركب معانا الأسانسير أو يقابله في الشارع.
أول أسبوعين، كنت بقول لنفسي إن عندي أجدع أخ كبير في القاهرة كلها.
لحد ما بطل ينام في أوضته..
في يوم الصبح، دخلت أوضة فريدة ولقيت سيف نايم بجلابيته تحت السرير بتاعها.
حاطط مخده وملاية ولابس اللعبة الديناصور القديمة بتاعته.
ضحكت وقلت له:
— سيف! بتعمل إيه عندك يا حبيبي؟
فتح عينيه وقال ببساطة:
— بنام.
— طب ما سريرك جوة!
— عارف.
— وليه نايم تحت السرير هنا؟
هز كتفه:
— بحب أكون قريب من فريدة.
قلت ماشي.. مشاعر طفولية وتصرف حنين، ورجعت حاجته أوضته وما حطيتش في بالي.
تاني يوم الصبح لقيتها هناك تاني.
واللي بعده نفس الكلام.
لو نمت الأسبوع ده كله في سريرك، يوم الجمعة هجيبلك كشري من أبوتارق والبيتزا اللي بتحبها.
سيف هز رأسه بالرفض:
— مش عايز بيتزا.
أحمد بص لي باستغراب.. سيف عمره ما رفض بيتزا ولا كشري!
ساعتها بدأ يدخلنا الشك إن الموضوع مش مجرد شقاوة ولا حركة وتعدي.
حماتي “الحاجة هدى” كانت قاعدة معانا في الشقة في المعادي من ساعتها عشان تساعدني بعد الولادة. في الأول كنت طايرة بيها.. بتطبخ، وتروق، وبتشيل معايا البيبي عشان أعرف أنام شوية.
بس “هدى” كان ليها رأي تاني خالص في تصرفات سيف:
— الولد غيران يا جيهان.
— غيران إيه يا طنط! ده بيموت فيها.
— بيموت فيها ماشي، بس محروق دمه من كتر الاهتمام اللي هي واخداه.. بكرة تشوفي.
وبعدين بصت لسرير فريدة وقالت بنبرة ضايقتني:
— المفروض متسيبوهوش ينوم كدة، البنت دي مش لازم تبدأ حياتها وهي محور الكون بالمنظر ده.
الكلمة وقفت في زوري، بس من كتر التعب والتفكير قلت بلاش أفتح مشاكل وأتناقش.
بس بدأت ألاحظ حاجات تقلق..
سيف مكنش بيحاول يشد انتباهنا إحنا.. كان مركز مع فريدة بزيادة!
خصوصاً لما حماتي تقرب منها.
لو حماتي قالت “سيبوها معايا وأدخلي خدي دوش”، ألاقي سيف نزل من أوضته ووقف جنب السرير في ثواني.
لو أنا وأحمد نزلنا السوبر ماركت اللي تحت العمارة نشتري طلبات، سيف يرفض ينزل معانا ويصر يفضل جنب السرير.
وفي يوم بعد الظهر، حماتي كانت رايحة تشيل فريدة من السرير.
سيف وقف بطفولته قدامها وقفل السكة:
— أوعى يا سيف من طريق تيتة يا حبيبي.
— لأ.
أنا اتسمرت مكاني:
— سيف! إيه الأسلوب ده؟
فضلت عينه في عينها وما تحركش سنتيمتر واحد:
— سيب تيتة تشيل أختك.
بالعافية تحرك ووسع، بس طول ما حماتي شايلاها، سيف مكنش بيشيل عينه عنها.. مركز في كل حركة بتعملها بشكل يرعب.
خدته بعدها على أوضته:
— سيف.. هو تيتة هدى زعلتك في حاجة؟
— لأ.
— طب ليه مكنتش عايزها تشيل فريدة؟
بص في الأرض وما ردش.
— سيف كلمني!
قام وخرج من الأوضة وسابني.
ساعتها غلطت.. كان المفروض أضغط عليه وما أسيبهوش، كان المفروض أفهم.
بس قلت لنفسي يمكن مجهد.. كلنا كنا مجهدين وطاقتنا مخلصينها.
في الأيام دي، حماتي بدأت تنقط كلام يوجع..
مرة شافتني شايلاها وبطبطب عليها، قالتلي:
— شكلِك تعبان أوي يا جيهان..
— معلش يا طنط، لسة مولودة والتعب طبيعي.
بس البنت دي هتسحب صحتك وعمرك أكتر من أي عيل طبيعي.. أنا بقولك الحقيقة.
ومرة تانيه قالتلي ببرود:
— مش كل حاجة بالحب يا بنتي.. ساعات الحب مابيكفيش.
نت كابسة على نفسي ومفهمة روحي إنها خايفة علينا، وإنها محتاجة وقت عشان تستوعب إن حفيدتها بظروف خاصة.
حد ما جه يوم الخميس اللي فات..
الساعة كانت حوالي 2 بالليل، وسمعت صوت طالع من الـ Monitor بتاع الأطفال جنب سريري.
أحمد كان نايم جنبي في سابع نومة.
افتكرت فريدة صحيت وعايزة ترضع.
بس بالراحة كده.. ميزت الصوت. ده صوت سيف!
قمت مشيت بالراحة في الكوريدور، باب الأوضة كان موارب شوية.
سيف كان نايم تحت السرير زي العادة.. بس المرة دي مكنش نايم.
كان مادد إيده ومسك بالحديد بتاع السرير من تحت، وبابص فوق لقيت عينيه مفتوحة على وسعها وبيبص لفريدة.
سمعته بيمس بصوت واطي ومخنوع:
— متخافيش يا فريدة.. أنا صاحي أهو، ومش هنام الليلة دي خالص.. مش هخلي التيتة تعمل فيكي كده تاني!
دمي اتجمد في عروقي ووقفت مكاني مش قادرة آخد نفسي..
تيتة تعمل فيها إيه؟!
دخلت الأوضة في نفس اللحظة:
— سيف؟!
سيف اتنطر من مكانه تحت السرير، وعينيه اتوسعت من الخوف.
نزلت على ركبي جنبه ومسكت إيده:
— أنت كنت بتقول إيه حالا؟
— ولا حاجة يا ماما..
— أنت جبت سيرة تيتة هدى يا سيف.. كنت بتقول إيه؟
بص ناحية باب الأوضة الموارب وهو مرعوب.
مسكت وشه بين إيديا بالراحة:
— سيف.. بص لي هنا.. تيتة هدى بتعمل إيه مع فريدة؟
دموعه بدأت تنزل وتغرق خده، وهز رأسه بالرفض:
— أنا وعدتها مش هقول لأي حد!
حسيت بسكينة اتغرست في بطني:
— وعدت مين يا حبيبي؟
سكت كام ثانية وجسمه بيموت من الترعش، وبعدين قال بصوت واطي:
— تيتة..
قعدت على الأرض قدامه وقلبي بيدق في زوري:
— أنت مش في مشكلة يا سيف، ومحدش هيزعل منك.. بس لازم تقولي الحقيقة فوراً، تيتة بتعمل إيه؟
سيف بدأ يعيط بحرقة:
— هي اللي بتصحي فريدة كل يوم بالليل!
في لحظة تفكير غبية، حسيت بنوع من الارتياح وقلت لنفسي يمكن أوهام أطفال:
— يا سيف يمكن فريدة بتكون بتعيط وتيتة بتدخل تشيلها عشان تساعدني؟
سيف هز رأسه بانهيار وعصبية:
— لأ يا ماما! فريدة بتكون نايمة ومفيش فيها حاجة!
وبدأ يحكي لي على المأساة اللي شافها بعينيه..
قال لي إن في ليالي كتير، بعد ما أنا وأحمد ندخل ننام ونطفي النور، تيتة هدى بتتسحب وتدخل أوضة فريدة بالراحة.




