
اقترب منها أكثر، وقال بصوت خافت:
ـ أنا ممكن أتحمل زعلك، عصبيتك، حتى لسانك الطويل اللي مبيخلصش…
ابتسمت رغم دموعها.
ـ بس مقدرش أشوفك بتعيشي وإنتِ فاكرة إن قلبي لواحدة غيرك.
جذبها إلى صدره، واحتواها بذراعيه.
ـ إنتِ مش بس مراتي يا ليلى… إنتِ الحاجة الوحيدة اللي لما بخاف عليها، بحس إني ممكن أخسر نفسي.
دفنت رأسها في صدره، وتشبثت به كأنها وجدت أخيرًا المكان الآمن الذي تبحث عنه.
همست: ـ أنا بحبك أوي يا عمران.
أغمض عينيه، وابتسم وهو يضمها إليه أكثر.
ـ طيب حبيبتي… نامي بقى. كفاية اللي عملتيه في أعصابي النهارده.
رفعت وجهها إليه، وقالت بدلال طفولي: ـ بقولك بحبك، المفروض تقول وأنا كمان يا روح عمران.
ضحك بخفوت، ثم أمسك وجهها بين كفيه ونظر إليها طويلًا.
ـ وأنا كمان بحبك يا ليلى… أكتر مما تتخيلي.
ابتسمت، وعادت لتدفن وجهها في صدره.
ضمها إليه، وأغمض عينيه للحظات، وكأنه أخيرًا اطمأن أنها بين ذراعيه.
ـ نامي يا طفلتي…
ــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــ
ظل بجوارها لبعض الوقت، يراقب ملامحها الهادئة، حتى اطمأن أنها غفت، فنهض بهدوء وتحرك إلى الخارج.
اتجه إلى غرفة شقيقته، طرق طرقات خفيفة على الباب، ثم دلف إلى الداخل.
توقفت عيناه على والدته تجلس بجوار ملك، بينما تضع شقيقته رأسها في أحضانها، ويد والدته تمسد على خصلاتها بحنان.
أغلق الباب خلفه بهدوء، ثم اقترب منهما.
ـ نايمة ولا صاحية؟
رفعت ثريا عينيها إليه، وأجابته بصوت خافت:
ـ نامت… فيه حاجة؟
ـ عايز أتكلم معاكي شوية.
أومأت له، ثم وضعت رأس ملك فوق الوسادة، وقامت بهدوء قبل أن تتبعه إلى الخارج.
بقلم سيلا وليد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد دقائق، وصلا إلى مكتبه.
أغلق عمران الباب خلفهما، بينما جلست والدته أمامه تنتظر حديثه.
ظل للحظات صامتًا، وكأنه يبحث عن الكلمات المناسبة، ثم أخرج علبة سجائره وأشعل واحدة، ينفث دخانها بغضب مكتوم.
ـ الواد اللي كان مع ملك… شهاب ونيفين هما اللي زقوه عليها.
اتسعت عينا ثريا بدهشة.
ـ وليه يعملوا كده؟ ملك عملت لهم إيه؟
رفع عمران عينيه إليها، وقال بملامح جامدة تخفي خلفها غضبًا عارمًا:
ـ علشان يصوروها مع الواد في أوضاع مخلة، ويضغطوا عليا في الشركة يا ماما.
شهقت ثريا، ووضعت كفها على فمها.
ـ إيه اللي بتقوله ده؟!
ـ اللي سمعتيه.
ـ وليه شهاب يعمل كده؟!
ابتسم عمران بسخرية مريرة.
ـ علشان واحد فاشل… فاكر إن الفلوس والنفوذ يدوّهو الحق يعمل اللي هو عايزه. بس متقلقيش، أنا هعرفه إزاي يحترم نفسه.
ـ طيب… وناوي على إيه؟
مرر عمران يده على وجهه بعنف، ثم قال بنبرة حاسمة:
ـ متقلقيش، هعرف أتصرف معاهم. وعلى فكرة… عمي معاهم في اللعبة.
اتسعت عيناها باشمئزاز.
ـ إخسِ عليه وعلى ندالته! بقى عايز يعمل في لحمه كده؟
ـ لحم إيه يا ماما؟ كبّري دماغك.
ثم أضاف بعد لحظة صمت، وكأن الأمر الآخر الذي يخفيه أثقل على صدره:
ـ بس فيه حاجة أهم.
نظرت إليه مترقبة.
ـ قولي بقى إيه موضوع مراتك دي كمان؟ تتجوز من غير ما أعرف يا عمران؟ وكمان شكلها مجنونة!
انفلتت منه ضحكة ، رغم الحزن الذي يملأ عينيه.
ـ هي مجنونة فعلًا… بس هتحبيها.
رفعت حاجبها بدهشة.
ـ ومالك واثق كده إني هحبها؟ دي طفشت من أول يوم!
ابتسم عمران، ولمعت عيناه بسعادة لم يستطع إخفاءها.
ـ لأنها حبيبة ابنك يا ماما… وأكيد هتحبيها.
صمتت للحظة، ثم قالت:
ـ ماشي يا عمران، مش لما أعرف هي بنت مين الأول؟
نظر إليها، وقال ببساطة هزت قلبه قبل أن تهز قلبها:
ـ بنت قلبي يا أم عمران.
ابتسمت رغما عنها، وهي تتأمله.
ـ ياااه… لدرجة دي يا عمران؟
أبعد عينيه عنها، وكأن مجرد الحديث عنها أعاده إليها؛ إلى ضحكاتها، وخجلها، ولمساتها البريئة التي كانت كفيلة بأن تجعل أثقل أيامه أخف.
ـ وأكتر يا ماما.
راقبته ثريا بصمت، ورأت السعادة التي لم ترها في عيني ابنها منذ وقت طويل.
ـ ربنا يسعدك يا ابني.
ـ اللهم آمين.
بدأ يحكي لها كل شيء؛ عن ليلى، عن بساطتها، عن أول مرة رآها فيها، وعن شقيقها الذي يعمل لديه، وعن كل ما حدث بينهما حتى انتهى الأمر بعقد قرانه عليها.
كانت ثريا تستمع إليه بملامح تتبدل شيئًا فشيئًا، حتى انتهى من حديثه، فقالت بصدمة:
ـ إيه اللي بتقوله ده؟! يعني متجوز واحدة منعرفش أصلها وفصلها؟
قطب عمران جبينه.
ـ ماما…
ـ واحدة من الريف؟ أخوها شغال عندك؟ وإنت شايف إن دي مناسبة ليك؟
تنفس عمران بعمق، ثم قال بغضب بدأ يتصاعد:
ـ نيفين ذات أصل وفصل، وكانت مستعدة تبيع نفسها، ماتعقليش الكلام بالأصول والفصول يا ماما.
رفعت ثريا رأسها، بينما نهضت من مكانها.
ـ مش كل بنات العائلات نيفين يا عمران بيه.
ثم تقدمت نحوه، وقالت بحدة:
ـ تقدر تقولي لما تحضر حفلة، أو تخرج في مناسبة للإعلام، هتقول لهم إيه؟ مرات عمران بيه مين؟ بنت مين؟ أبوها مين؟ جدها مين؟
تغيرت ملامحه.
ـ ماما، إيه اللي بتقوليه ده؟
استندت بكفيها إلى مكتبه، وقالت بقسوة:
ـ بقول اللي عقلك لغيه يا عمران بيه! لما تخلف منها، ولادك هيبقوا إيه؟ هيكونوا أحفاد مين؟ حتة موظف؟ ولا جدهم هيكون إيه؟ فلاح؟
اشتعلت عيناه.
ـ ماما!.. تمتم بها من بين اسنانه
ـ متفكرش إنك لما تزعقلي هسكت!
ارتفع صوتها، بينما كان عمران يحاول السيطرة على غضبه.
ـ أنا مش موافقة على المهزلة دي. يعني إيه تجيب حتة بنت من الشارع وتقول مراتي؟ دي متنفعش مراتك قدام المجتمع!
توقف للحظة، غير مصدق ما يسمعه.
أكملت ببرود جارح:
ـ عايز تتجوزها لمتعتك؟ معنديش مانع… لكن يكون في السر. غير كده مستحيل أوافق على الجوازة دي.
استدار وجه عمران إليها، وقد تبدلت ملامحه تمامًا.
ـ إنتِ بتقولي إيه؟
ـ اللي سمعته.
ثم استدارت لتغادر، لكنها توقفت قبل أن تصل إلى الباب.
ـ وحتى لو قولت لك إن سعادة ابنك معاها؟
جاء صوتها من خلفه ببرود:



