منوعات

قصة حماتي كل ما تقسم اللحمة الجزء 2 والأخير

جوزي اتسمر مكانه والتليفون على أذنه، وشه اتخطف ولونه بقى أبيض زي الطباشير. الصالة كلها سكتت، وبقت النظرات كلها متوجهة ليه مستنيين يفهموا فيه إيه.

رد بصوت بيترعش: “يعني إيه الحريقة مسكت في المطبخ؟ الشقة مولعة؟”

الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة. نسيت اللحمة، ونسيت حماتي والعزومة والسفرة، ومبقتش شايفه قدامي غير شقتنا وشقا عمرنا اللي بيتأكل في النار. قمت وقفت من غير ما أحس، وجوزي شد إيدي وجرينا على بره زي المجانين، ومن ورانا أخوه وحماتي والناس كلها بتجري وراهم حالة ذهول.

طول الطريق وأنا بدعي ربنا وددموعي نازلة على خدي. نوصل الشقة نلاقي المطافي واصلة، والدخان طالع من شبابيك المطبخ والصالة. الجيران كانوا ملمومين، والمنظر كان يرعب أي حد.

بعد ساعة كاملة من التوتر والخوف، رجال المطافي قدروا يسيطروا على الحريق قبل ما يأكل بقية الشقة، لكن المطبخ والجزء الأمامي من الصالة كانوا متفحمين تماماً.

وقفنا أنا وجوزي وسط الرماد والدخان، حافيين وبنبص على تعب سنين وهو بيروح في لحظة بسبب ماس كهربائي في المطبخ. جوزي قعد على الأرض وحط إيده على رأسه وهو مش قادر ينطق، ومكسور من اللي حصل.

في اللحظة دي، حماتي دخلت الشقة وهي بتلهث من كتر الجري والصعود على السلم. بصت على الخراب اللي في البيت، وبعدين بصتلي أنا وجوزي. ولأول مرة من يوم ما دخلت البيت دا، أشوف حماتي بتتحرك بقلب أم حقيقي مش بتمثيل ولا عشان كلام الناس.

قربت من جوزي، رفعت رأسه وبستها، وقالتله وهي بتعيط بحرقة: “فداكم يا بني.. الفلوس والحيطان تروح ويجي غيرها، المهم إنكم بخير وأنتوا الاتنين واقفين على رجليكم.”

وبعدين التفتت ليا، مسكت إيدي الاثنين بقوة، وقالتلي بصوت كله ندامة وكسرة: “يا بنتي.. يمكن ربنا بيعدل الموازين وبيفوقنا كلنا. البيت دا بيتك، والشقة دي هترجع أحسن من الأول وعلى حسابي أنا وأخوك. تعالي معايا يا بنتي، بيتي مفتوحلكوا ومش هتمشوا من عندي غير ورأسكم مرفوعة.”

ضرتي كانت واقفة ورا عند الباب، بتبص على المشهد وهي حاسة إن الأيام دارت بجد، وإن ربنا أظهر معادن الناس في أوقات الشدة.

أنا بصيت للشقة المحروقة، وبعدين بصيت لحماتي اللي كانت بتترجاني بعيونها عشان أسامحها وأروح معاها، وحسيت إن الحريقة دي رغم قسوتها، أكلت معاها كل الغل والتمييز والظلم اللي كان مدفون في القلوب، لكن السؤال اللي كان شاغل بالي وأنا داخلة بيت حماتي تاني عشان أعيش فيه موقتاً: هل حماتي تغيرت بجد من قلبها بعد النكبة دي؟ ولا وجودي تحت سقفها الأيام الجاية وهي شايفاني مكسورة وهي اللي بتصرف على تصليح بيتي، هيرجع التحكم والقهر القديم تاني بأسلوب جديد؟

 

 

عدت الأيام الأولى في بيت حماتي، وكنت محبوسة جوه ترقب شديد. كنت مستنية اللحظة اللي هيرجع فيها الطبع القديم يغلب التطبع، أو تعايرنا في السر بالبيت اللي اتخرب وبمصاريف التصليح. لكن الموقف المره دي كان مختلف تماماً عن كل المرات اللي فاتت.

الحريقة مأكلتش بس المطبخ والصالة، الحريقة أكلت الغرور والقسوة اللي كانت جوه قلب حماتي.

شفتاها بنفسي وهي بتنزل مع جوزي الصبح بدري، تتابع العمال وصنايعية المحارة والكهرباء، وبتدفع من دهبها وفلوسها الخاصة عشان ترجع الشقة أحسن من الأول، من غير ما تمنّ علينا بكلمة ولا تحسسنا بجميل. وفي البيت، كانت بتحاول بطرق بسيطة تعالج شرخ الخمس سنين؛ كانت تصحى تعمل الأكل بنفسها، وتقعدني يرتاح، وتحط الأكل قدامي وهي بتقول: “كلي يا بنتي عشان صحتك وصحة ابنك اللي جاي، أنتِ شيلتِ كتير وكتمتِ في قلبك كتير.”

ضرتي، اللي كانت فاكرة إن وجودي في البيت هيكون فرصة عشان تتشفى فيا، لقيت نفسها في موقف بائس. المعاملة اتغيرت 180 درجة، والعدل بقى هو الأساس. لما حاولت في مرة تلمّح لكلام يضايقني، حماتي وقفت لها بكل حزم وقالت لها قدام الكل: “اللي يمس كرامة مرات ابني الصغير بكلمة، كأنه مس كرامتي أنا.. البيت دا مفيش فيه مظلوم تاني.”

 

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى