
1جارتي كانت بتجيلي كل يوم تطلب سكر وهي شايلة ابنها، وكنت فاكرة إنها مجرد بنت مهملة ومش منظمة. لحد ما في يوم الصبح همستلي أنا مش جاية عشان السكر يا مدام كارمن.. أنا جاية لأن دي الطريقة الوحيدة اللي بيخليني أخرج بيها من الشقة وأنا عايشة.
أول مرة، الموضوع ضايقني. كنت بشرب قهوتي الصبح، وبتابع الأخبار، ومستمتعة بالهدوء اللي بتتعلم تحبه بعد ما تعيش لوحدك سنين طويلة. وبعدين سمعت خبط على الباب. فتحت بالروب بتاعي، وما كنش باين عليا الترحيب خالص. كانت جارتي الجديدة من شقة 302. رفيعة.. باهتة.. ومعاها طفل نايم وضامّاه لصدرها.
بعد إذنك يا مدام.. ممكن شوية سكر؟
اديتها نص كوباية. حتى ما عزمتش عليها تدخل. قلت في نفسي بنات الأيام دي حتى مش عارفين يملوا مطبخهم.
لكنها رجعت تاني يوم. واللي بعده. واللي بعده. ديماً الساعة 817 الصبح. ديماً بعد ما جوزها ينزل الجراج، يدور الموتوسيكل بتاعه ويمشي. كذبتُ طبعاً، لكن الكذبة كانت ضرورية لكسب الوقت. وجه أدريان تحول من الهدوء إلى حقيقية. بدأ يضرب الباب بكتفه.
جريتُ بقدر ما تسعفني رجلاي نحو المطبخ. لم أكن أبحث عن سكين، بل عن علبة البسكويت فوق الثلاجة. أخذتها ودخلت لغرفة النوم.
لوسي! اسمعيني كويس! فيها وهي . في شباك في أوضة النوم بيطل على سلم الطوارئ الخلفي. انزلي منه فوراً. الشنطة جاهزة، والفلوس والأوراق فيها.
مش هقدر يا مدام كارمن.. أنا خايفة!
لو فضلتي هنا، الموت هو اللي . انزلي! أنا هعطله.
لحظة وجبر الخواطر
الباب الأمامي بدأ يتشقق. أدريان كان يزأر كالذئب. لوسي، برؤية إميليانو وهو يبكي، استجمعت شجاعتها. فتحتُ لها الشباك، وساعدتها لتخرجينزل الجراج، يدور الموتوسيكل بتاعه ويمشي. ديماً والطفل بين إيديها. وديماً بتبص ناحية السلم قبل ما تخبط على بابي.
سكر تاني؟ سألتها يوم خميس وأنا خلاص بدأت أزهق.
حاولت تبتسم. ما عرفتش.
وقتها بدأت أركز بجد. عينيها كانت ورمة، مش من قلة النوم.. من العياط. الطفل كان لابس نفس
الطقم الأصفر بقاله تلات أيام. ما كانش معاها موبايل أبداً. ولا شنطة إيد. ولا مفاتيح باينة. ولما كانت بتسمع صوت خطوات في الطرقة، كانت بتتخشب مكانها كأن فيه
متوجه لقلبها.
أنا اسمي كارمن. عندي اتنين وسبعين سنة. شفت كتير في الحياة دي. وفيه أنواع من الخوف بتعرفها حتى لو كانت متنكرة في شكل أدب وذوق. يوم الاثنين اللي بعده، لما خبطت، ما ادتهاش سكر. وسعتلها الطريق.
ادخلي.وقفت مكانها.
مش هقدر أتأخر.
يبقى ادخلي بسرعة.
دخلت وهي ضامة الطفل بقوة. كانت لبن قاطع، وصابون رخيص، وخوف. صبيت لها شوية قهوة. أول ما مسكت المج، إيدها بدأت تترعش.
اسمك إيه يا حبيبتي؟
لوسي.
والولد؟
إميليانو.
الطفل فتح عينيه الصغيرة وبصلي كأنه هو كمان تعبان. وطيت صوتي.
لوسي، أنتي بجد محتاجة كل السكر ده؟
عينيها اتملت دموع قبل ما ترد. عرفت وقتها إن سؤالي قطع آخر خيط كان ماسكها.
لأ، همست. أنا مش جاية عشان
.
وقفت مكاني مذهولة. بصت ناحية الباب، وبعدين اتكلمت بصوت واطي لدرجة إني اضطريت أميل ناحيتها.
ده العذر الوحيد اللي عندي عشان أخرج من
. هو بيتحكم في كل حاجة. الفلوس. المكالمات. رسايلي. حتى بيعد الحفاضات.
حسيت دمي برد.لوسي هزت راسها. دمعة نزلت على راس الطفل.
لو نزلت المحل، بيحسبلي الوقت. لو كلمت ماما، بيراجع السجل. لو قلت عايزة أخرج، بيسأل ليه. بس المجيء هنا.. بصتلي بكسوف المجيء هنا بيوافق عليه، لأنه بيقول إنك مجرد ست
وحيدة وما بتشكليش أي .
ست عجوزة وحيدة. كنت هضحك. مش عشان الموضوع يضحك، بس من الغل. الراجل ده ما كنش يعرف إن الست العجوزة اللي دفنت جوزها وصبرها، ممكن تكون أخطر من أي بنت تانية.
من اليوم ده، بيتي ما بقاش مجرد بيت.
بقى ملاذ. لوسي كانت بتيجي كل يوم ومعاها كوبايتها الفاضية. كنت بحط سكر على الوش عشان يبان الموضوع طبيعي. بس من تحت، كنت بخبي حاجات تانية. ورقة فيها أرقام استغاثة. قميص نضيف. عشرة دولار. مفتاح احتياطي. موبايل قديم كنت شايلاه من ساعة ما حفيدي جابلي واحد جديد.
ما تفتحيهوش هناك أبداً، حذرتها. هنا بس.
هزت راسها زي طفلة بتسمع الكلام. بس كل يوم كانت بتتنفس أكتر شوية. الحياة بدأت ترن في مطبخي تاني. إميليانو اتعلم يزحف بين الكراسي بتوعي. لوسي بدأت تضحك بصوت واطي. الأول كأنها بتستأذن، وبعدين بجد.حكتلي إن جوزها اسمه أدريان. وإنه في الأول كان حنين. وبعدين بدأ ب أنا مش عاجبني نظرات الراجل ده ليكي. وبعدين ما
، أنا هكفيكي. وبعدين أمك بتتدخل زيادة عن اللزوم. وبعدين المفاتيح استخبت. والفلوس بقت تتعد. والزعاق. والزق. . والورد. والزعاق من أول وجديد.
أنا مكسوفة، قالتلي في يوم. كنت ديماً بقول إن ده مستحيل يحصلي.
مسكت إيدها.
كلهم بيقولوا كدة لحد ما يقابلوا وحش بوش ملاك.
خدنا تلات شهور عشان نخطط. تلات شهور بنجمع أوراق. شهادة ميلاد إميليانو. بطاقتها. غيار هدوم. دوا. رقم تليفون أختها في شيكاغو. شلت لها كل حاجة في علبة بسكويت فوق الثلاجة.
لما تكوني جاهزة، تعالي، قلتلها. في أي وقت.
لوسي بصتلي كأني قدمت لها الدنيا كلها.
طب ولو جه؟وجهها يرتجف، وعيناها مثبتتين على الباب الخشبي كأنه حاجز واهٍ أمام إعصار.
الخبطات الثلاث كانت واضحة، باردة، وتحمل
.
مدام كارمن؟ صوت أدريان جاء من الخارج، ناعماً بشكل مرعب. أنا آسف للإزعاج، بس أعتقد إن زوجتي لوسي عند حضرتك.. هي نسيت إن عندها موعد مهم الصبح.
أشرتُ للوسي بيدي أن تدخل إلى النوم وتغلق الباب من الداخل. مشيتُ نحو الباب بخطوات وئيدة، أتعمد إحداث صوت بعصاي على الأرضية الخشبية.
فتحتُ الباب موارباً، واضعةً سلسلة الأمان. نظرتُ من الفتحة؛ كان أدريان يقف هناك، بقميصه المكوي بعناية وابتسامته التي لا تصل لعينيه أبداً.
أهلاً يا بني، قلتُ بنبرة هادئة. لوسي هنا فعلاً، كانت بتجيب سكر، بس فجأة داخت وتعبت،
ترتاح جوه شوية.
ابتسامته تلاشت ببطء.
تعبت؟ طيب خليني أدخل آخدها، أنا ههتم بيها.
لأ يا حبيبي، هي نايمة دلوقتي. والبيت بيت ست عجوزة، ما يصحش تدخل وهي بالوضع ده. استنى ساعة وارجع.
أدريان وضع يده على الباب، وشعرتُ بقوته تضغط ضد الخشب.
مدام كارمن، بلاش نلعب ألعاب مع بعض. لوسي ملكي.. والولد ملكي. افتحي الباب بدل ما أكسره.
ضحكتُ ضحكة قصيرة جعلته يتوقف.
تكسر الباب؟ يا أدريان، أنت ناسي إننا في عمارة محترمة، وصوت الكسر هيجيب الجيران والشرطة في ثواني. وبعدين.. سحبتُ نفساً عميقاً أنا اتصلت بالبوليس من خمس دقايق لما شفت لوسي وشفت وشها المتبهدل.
. هما زمانهم في الطريق.كذبتُ طبعاً، لكن الكذبة كانت ضرورية الوقت. وجه أدريان تحول من الهدوء إلى وحشية حقيقية. بدأ الباب بكتفه.
جريتُ بقدر ما تسعفني رجلاي نحو المطبخ. لم أكن أبحث عن سكين، بل عن علبة البسكويت فوق الثلاجة. أخذتها ودخلت لغرفة النوم.
لوسي! اسمعيني كويس! فيها وهي . في شباك في أوضة النوم بيطل على سلم الطوارئ الخلفي. انزلي منه فوراً. الشنطة جاهزة، والفلوس والأوراق فيها.
مش هقدر يا مدام
.. أنا خايفة!
لو فضلتي هنا، الموت هو اللي . انزلي! أنا هعطله.
لحظة وجبر الخواطر
الباب الأمامي بدأ يتشقق. أدريان كان يزأر كالذئب. لوسي، برؤية إميليانو وهو يبكي، استجمعت شجاعتها. فتحتُ لها الشباك، وساعدتها لتخرجروحي على المحطة فوراً، التذكرة في العلبة!
بمجرد أن اختفت لوسي في ممر الطوارئ،
باب الشقة. دخل أدريان كالعاصفة. كان يمسك في يده مفكاً طويلاً، وعيناه تشتعلان غلاً.
فين هي؟! صرخ وهو يمسكني من ذراعي بقوة آلمتني.
نظرتُ إليه بمنتهى البرود، وبصقتُ في وجهه.
هي في مكان عمرك ما هتوصله يا جبان.
دفعني على الأرض، وجرى نحو ، ليرى الشباك مفتوحاً. نظر للأسفل، كانت لوسي قد وصلت للرصيف وبدأت تجري نحو التاكسي الذي كنتُ قد اتفقتُ معه مسبقاً لينتظرها في ذلك الوقت من كل يوم احتياطاً.
أدريان حاول يلحقها من السلم، لكن في اللحظة دي، صوت صفارات الإنذار الحقيقية كان مالي الشارع. أنا فعلاً كنت ضغطت على زر الاستغاثة الصامت اللي حفيدي ركبهولي تحت التربيزة.
مرت ستة أشهر. أدريان اتمسك واتحكم
بتهمة التعدي والترويع والشروع في القتل، خاصة بعد ما المحامي عادل ابن أختي اللي وصيته عليها قدم كل التسجيلات اللي لوسي سجلتها له بالموبايل القديم اللي اديتهولها.
أنا قاعدة في مطبخي دلوقتي، بشرب قهوتي الصبح. الساعة 817.
سمعت خبط على الباب.
قلبي دق. هل ممكن يكون رجع؟
فتحت الباب.
كانت لوسي. بس مش لوسي الباهتة الخايفة. كانت لابسة فستان ملون، ووشها فيه نضارة وحياة. وإميليانو كبر وبقى بيمشي، وجري عليا حضن رجلي.
مدام كارمن.. أنا جيت أرد لك السكر.
مدت لي كوباية مليانة سكر، بس المرة دي كان محطوط فوقها وردة صغيرة.
أنا اشتغلت في شيكاغو يا مدام كارمن.. وبقيت مستقلة. وجيت عشان أشكرك.. أنتي ما أنقذتيش حياتي بس، أنتي علمتيني إن القوة مش في العضلات، القوة في القلب اللي بيقرر إنه مش هيخاف تاني.
بكيتُ، ولأول مرة من سنين، ما كنتش ست عجوز وحيدة. كنت أم وجدة لروحين رجعوا للدنيا بسببي.
اتعلمت إن العمر مجرد رقم، وإن شوية سكر ممكن يكونوا سبب في تغيير قدر إنسان.
وإن الست العجوزاللي الكل بيستهين بيها، هي اللي بتقدر الوحوش بذكائها وحكمتها.
لوسي فضلت معايا أسبوع قبل ما تسافر تاني، والمطبخ بتاعي فضل ريحته سكر وورد ليالي طويلة. لأن الجيرة مش بس حيطان، الجيرة
بتطبطب على بعض في عز الوجع.


