عام

خمس سنوات

أخيرا أدرك أنني لم أعد في وضع الدفاع المستمر.
في ذلك المكان بدأت أستعيد نفسي قطعة قطعة.
في الأسابيع التالية تحولت حياتي إلى ازدواج دقيق. في الظاهر لم يتغير شيء. كنت أستيقظ في الوقت نفسه أعد الأدوية أساعد لوكاس في الانتقال من السـ،ـرير
إلى الكرسي أبتسم حين يشتكي وأهز رأسي حين يروي قصصه المكررة. كنت الزوجة التي يعرفها التي يعتمد عليها التي يظنها ثابتة في مكانها كقطعة أثاث لا تسأل ولا تحاسب.
لكن في الداخل كنت شخصا آخر تماما.
صرت دقيقة إلى حد الهوس. كل ورقة تمر بين يدي كنت أحتفظ بنسخة منها. كل إشعار بنكي كنت أراجعه حرفا حرفا. اكتشفت حسابات لم أكن أعرف بوجودها وتحويلات لم تشرح لي يوما. قرأت وثائق التأمين ببطء شديد ووجدت اسمي غائبا كأنني لم أكن موجودة قط. سجلت المحادثات التي يسمح بتسجيلها قانونيا لا بدافع الاڼتقام بل بدافع التوثيق. كنت أبني ملفا لا يعتمد على العاطفة بل على الوقائع.
الأكثر إيلاما لم يكن ما اكتشفته من أرقام بل ما اكتشفته من أنماط. الطريقة التي كان لوكاس يتحدث بها عني حين يظن أنني لا أسمع. الافتراض الدائم بأنني باقية بأنني خيار مضمون بأن صبري مورد لا ينفد. أدركت حينها أن ما كان يربطنا لم يعد حبا منذ زمن بل اعتيادا مريحا له واستنزافا صامتا لي.
حين تواصلت مع ناتالي غرايسون زميلتي السابقة لم أحتج إلى شرح طويل. جلست أمامي في مقهى صغير واستمتعت إلى قصتي دون أن تقاطعني أو تقترح حلولا سريعة. وعندما انتهيت قالت بهدوء إن ما أعيشه ليس نادرا لكنه خطېر إن طال أكثر. ثم كتبت اسما على ورقة صغيرة إيفلين بورتر.
لقائي بإيفلين لم يكن دافئا ولم يكن قـ،ـاسېا. كان محايدا إلى حد أربكني في البداية. جلست أمامها وأنا أحمل سنوات من الإرهاق في صدري لكنها لم تنظر إلى تعبي بل إلى حقيبتي. لم تسألني كيف أنام ولا كم مرة بكيت بل سألتني عما أملك عما يمكن إثباته عما يمكن الوقوف به أمام قاض لا يعرفني ولا يعنيه مقدار ما ضـ،ـحيت. لم تواسني بل طلبت التواريخ والأدلة أسماء البنوك نسخ العقود وتفاصيل كنت أظنها صغيرة لا تستحق الذكر. قالت لي بهدوء قاطع إن العـ،ـدالة لا تبنى على النوايا ولا على القصص المؤثرة بل على المسـ،ـتندات الصـ،ـامتة التي لا تنكر نفسها. وأضافت أن أفضل ما فعلته دون أن أدرك حينها هو أنني صمت عندما كان الصمت ضرورة لا ضعفا.
خرجت من مكتبها وأنا أشعر لأول مرة منذ زمن طويل أنني لست مچنونة ولا أنانية ولا قـ،ـاسېة. كنت فقط متأخرة في حماية نفسي.
حين بدأ لوكاس يلاحظ التغير كان قد فات الأوان فعلا. لم يكن التغير في نبرة صوتي ولا في عدد الساعات

التي أقضيها إلى جانبه بل في تلك التفاصيل التي لا ينتبه لها إلا من اعتاد السيطرة المطلقة. حساب لم يعد يعمل كما كان. بطاقة رفضت فجأة أمام موظف مرتبك. رسالة رسمية بلغة قانونية باردة لا تحمل اسمي كزوجة بل كطرف. رأيت الخۏف يتسلل إلى عينيه لأول مرة لا خوف المړض بل خوف فقدان الامتياز.
حاول أن يفسر الأمر بطرق شتى. اتهمني بالإرهاق ثم بالاڼهيار العصبي ثم بالقسۏة المتعمدة. وحين لم تنجح هذه الاټهامات انتقل إلى البكاء إلى استدعاء الذكريات إلى تذكيري بكل ما تحملته من أجله وكأن الټضـ،ـحية سند ملكية. وحين لم يجد في استجابة صړخ وهدد وتوعدني بأنني سأندم. لكن كل ذلك كان بلا وزن بلا تأثير أمام الأوراق الموقعة والتواريخ المثبتة والتسلسل الواضح الذي لا يترك مجالا للتأويل.
عائلته لم تتأخر في الاصطفاف ضدي. جاء الھجوم متوقعا لكنه لم يكن أقل قـ،ـسۏة. اتهمت بالخېانة بنكران الجميل بالتخلي في أحلك الظروف. قيل عني إنني استغللت ضعفه وإنني اخترت الهروب حين تعقدت الأمور. استمعت لكل ذلك بصمت لم يعد مؤلما. كان في داخلي يقين واحد لا يتزعزع لم يستطع أحد أن ينفي الوقائع. لم يستطع أحد أن يثبت أنني كنت يوما شريكة حقيقية في القرارات أو مستفيدة من هذا النظام غير المتكافئ. كنت وسيلة مريحة لا أكثر في منظومة صممت لتأخذ ولا تعيد.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى