
لكن الصدمة الحقيقية حصلت لما محاميه جه لي بعدها بأيام، وحط قدامي شنطة تقيلة وقال:
— هو كان عايزك تعرفي الحقيقة…وقتها أنا ماكنتش فاهمة أي حاجة.
أنا كنت لسه بحاول أتعافى من وجع فقدان أمي.بعد وفاتها، حسيت إن البيت بقى أهدى من اللازم، وإن الأيام كلها شبه بعض.
عشان كده قررت أتطوع في مستشفى.كنت بقعد مع المرضى اللي مالهمش حد.
ناس بتدخل لوحدها…وتتعب لوحدها…
وأحيانًا بتمشي من الدنيا من غير ما حد يمسك إيدها في آخر لحظة.
الشغل ده كان مؤلم.
لكن في نفس الوقت، حسسني إن حزني ممكن يبقى له معنى.
وفي يوم…
قابلته…كان راجل كبير في السن، تعبان جدًا، وحالته الصحية مش مستقرة…الدكاترة قالوا إن قلبه ضعيف، وإن الوقت اللي قدامه مش مضمون.كان واضح إنه متألم.
بس الغريب إنه كان دايمًا بيبتسم لي كل ما أدخل أقعد معاه.
في الأول كلامنا كان بسيط.عن الجو.عن الأكل.عن الحياة.
وبعدين بالتدريج، بقينا نستنى الوقت اللي هنتكلم فيه مع بعض.
كان قليل الكلام عن نفسه.كل ما أسأله عن أهله، يغير الموضوع.
وكل ما أسأله عاش حياته إزاي، يبتسم ويقول:
— عشت أكتر مما كنت متوقع.كنت فاكرة إنه راجل وحيد.
مالوش حد.زي ناس كتير قابلتهم هناك.
لحد ما في عصر يوم، وأنا قاعدة جنبه…مد إيده ومسكني.
وقال:— ممكن أطلب منك طلب غريب؟
ضحكت وقلت:— بعد كل اللي سمعته منك، مش هتخضني بسهولة.
بص في عيني فترة طويلة…وبعدين قال:
— اتجوزيني….افتكرته بيهزر.قلت:— نعم؟
كررها بهدوء:— عايز أتجوزك.
قلتله:— إنت تعرفني من كام يوم بس!
قال:— يمكن.وسكت شوية.
— بس في أيام قليلة، حسيت معاكي بحاجة ماحستهاش من سنين طويلة… حسيت إن في حد شايفني كإنسان، مش كراجل مستني النهاية.
الكلام لمس قلبي.لكن الطلب كان مجنون.
فضلت الليل كله أفكر.أنا لا كنت بدور على جواز…
ولا على فلوس…ولا حتى على علاقة جديدة.
لكن كان فيه حاجة في عينيه بتقول إن الموضوع أكبر من مجرد طلب غريب.بعد يومين…اتجوزنا في المستشفى.حفل صغير جدًا.
من غير دوشة.من غير فستان كبير.ومن غير خواتم حتى.
لبست جاكيت بسيط.وهو كان قاعد على كرسيه، مبتسم بالعافية.
ولما جه وقت الخاتم…
ضحك وقال:— نسيت أجيب خاتم.
وبعدين مد إيده ناحية الترابيزة، خد حلقة صغيرة من كيس سكر، وحطها في صباعي.
ضحكت.وقلتله:— دي أغرب دبلة في التاريخ.
قال:— بس مش هتنسيها.
ماكنتش أعرف وقتها قد إيه كلامه كان صح.
بعد الجواز، حالته ساءت بسرعة.كنت بقعد جنبه كل يوم.
أمسك إيده.أقرأ له.وأتكلم حتى لما يبقى تعبان ومش قادر يرد.
وفي ليلة…اتأخرت شوية عن ميعادي.لما وصلت…كان مات.
لوحده.وقفت جنب السرير وأنا حاسة بوجع غريب.
أنا عرفته أيام قليلة بس…
ومع ذلك حسيت إني خسرت شخص كان دخل حياتي بسرعة، وخرج منها أسرع.
عدى أسبوع.
وفي يوم، خبط على بابي راجل كبير في السن، لابس بدلة رسمية، وفي إيده حقيبة قديمة.
أول ما شافني قال:— حضرتك زوجته؟
قلت:— أيوه.
قال:— أنا المحامي بتاعه.
وقلبي بدأ يدق.دخل.وقعد قدامي.
وحط الحقيبة على الترابيزة.
صوتها وهي نزلت كان تقيل.بصيت لها.
وسألته:— فيها إيه؟
قال:— هو سايبها ليكي.
— فلوس؟
هز راسه:— مش بالظبط.
مديت إيدي وفتحتها.
لكن قبل ما أشوف اللي جواها…
المحامي قال:
— لازم تعرفي حاجة الأول.
بصيتله.
قال:
— الراجل اللي اتجوزتيه… ماكانش الشخص اللي إنتِ فاكرة إنك عرفتيه.
حسيت جسمي كله برد.
قلت:— يعني إيه؟
المحامي سكت لحظة.وبعدين قال:— هو ماكانش وحيد.
— وماكانش فقير…وماكانش في المستشفى صدفة.
بصيت للحقيبة.
وقلبي بدأ يدق أسرع.
المحامي كمل:
— وقبل ما يموت، طلب مني أسلمك الحاجة دي بنفسي.
سألته:— ليه أنا؟
بصلي نظرة غريبة.
وقال:
— لأن جوازه منك كان آخر خطوة في خطة بدأها من سنين.
وقتها…
بصيت للحقيبة المفتوحة قدامي.
ولقيت جواها ملفات قديمة.
صور.مفاتيح.وجواب مكتوب عليه بخط إيده:..”افتحيه بعد ما تعرفي أنا مين فعلًا.”….
“الحكاية لم تنتهِ بعد… رابط القصة الكاملة في أول تعليق.
✍️ الكاتبة أسما السيد
الفصل الثاني — الصورة اللي قلبت كل حاجة
فضلت باصة للجملة المكتوبة على الظرف:
“افتحيه بعد ما تعرفي أنا مين فعلًا.”
رفعت عيني للمحامي.
— طب ما تقول لي إنت… هو كان مين؟
المحامي أخد نفس طويل.
— الأفضل تشوفي بنفسك.
مد إيده للحقيبة وطلع أول ملف.
فتحه قدامي.
كان فيه صورة قديمة للراجل اللي اتجوزته.
بس مش بالشكل اللي عرفته بيه في المستشفى.
في الصورة كان أصغر بحوالي عشرين سنة.
واقف قدام مبنى ضخم، لابس بدلة غالية، وحواليه مجموعة رجال أعمال.
قلت:
— ده هو؟
— أيوه.
قلب المحامي الصورة.
وراها كان مكتوب اسم شركة كبيرة.
الاسم كان مألوف جدًا.
شركة كنت بشوف إعلاناتها في كل مكان تقريبًا.
بصيت للمحامي.
— كان بيشتغل عندهم؟
رد:
— لأ.
سكت لحظة.
— هو اللي أسسها.
حسيت إني ما سمعتش صح.
— أسسها؟
— وكان رئيس مجلس إدارتها سنين طويلة.
رجعت بصيت للصورة.
الراجل اللي كان بياكل أكل المستشفى العادي…
واللي ماكانش معاه حتى خاتم يحطه في صباعي يوم جوازنا…
كان صاحب واحدة من أكبر الشركات؟
قلت:
— طب ليه كان عايش كأنه مالوش حد؟
المحامي قال:
— لأنه في آخر سنين حياته اختار يختفي.
فتح ملف تاني.
كان فيه صور لراجل واثنين ستات أصغر منه.
قال:
— دول أولاده.
اتصدمت.
— عنده أولاد؟!
— تلاتة.
وقفت من مكاني.
— يعني كان بيكدب عليا؟
المحامي رد بهدوء:
— هو ماقالش إن مالوش أولاد.
— لكنه خلاني أفتكر إنه لوحده!
— لأنه فعلًا كان لوحده.
قلت بعصبية:
— ما أفهمش الألغاز دي.
المحامي نزل عينه.
— أولاده ما زارهوش مرة واحدة خلال الشهور الأخيرة.
سكت.
— كانوا عارفين إنه مريض؟
— أيوه.
— وعارفين إنه ممكن يموت؟
— أيوه.
حسيت بحاجة تقيلة في صدري.
افتكرت كل ليلة كنت بقعد جنبه.
كل مرة كان باب الأوضة يتفتح، ويرفع عينه كأنه مستني حد…
وبعدين يرجع يبص للشباك لما يلاقي ممرضة.
قلت:
— طب وجوازه مني؟
المحامي بص للحقيبة.
— هنا الموضوع بيبدأ يتعقد.
طلع ورقة رسمية.
حطها قدامي.
— قبل دخوله المستشفى بشهرين، غير وصيته.
قلت:
— وأنا مالي بوصيته؟
قال:
— لأنك موجودة فيها.
اتجمدت.
— مستحيل. هو ماكانش يعرفني وقتها.
— بالظبط.
بصيت له.
— يعني إيه؟
قال:
— اسمك اتضاف للوصية بعد الجواز.
قلبي دق أسرع.
قلت:
— سايب لي فلوس؟
المحامي سكت.
— قد إيه؟
قال:
— مش فلوس بس.
— أمال إيه؟
فتح صفحة تانية.
— البيت الرئيسي، وحصته المتبقية في الشركة، ومجموعة عقارات واستثمارات.
حسيت إني مش قادرة أتكلم.
قلت:
— قيمتهم كام؟
المحامي ذكر رقمًا ضخمًا.
قعدت مكاني.
— لأ.
بصلي باستغراب.
قلت:
— أنا مش عايزة حاجة.
— لازم تسمعي باقي الوصية.
— أنا اتجوزته عشان مايموتش حاسس إنه لوحده، مش عشان آخد ميراث.
المحامي ابتسم ابتسامة صغيرة.
— هو كان عارف إنك هتقولي كده.
طلع جواب صغير من الملف.
فتحه.
وقرأ:
“لو رفضت الميراث فورًا، يبقى أنا اخترت الشخص الصح.”
بصيت له.
جسمي كله قشعر.
المحامي كمل:
— وفي شرط تاني.
— شرط إيه؟
— ماينفعش تستلمي أي حاجة قبل ما تقضي 30 يوم في بيته.
قلت:
— ليه؟
رد:
— عشان تكتشفي بنفسك ليه اتجوزك.
وفجأة…
جرس الباب رن.
المحامي بصلي.
أنا قمت وفتحت.
لقيت راجل وست واقفين برا.
الست بصتلي من فوق لتحت وقالت:
— إنتِ مراته؟
قلت:
— أيوه.
ابتسمت بسخرية.
— كويس.
وبعدين رفعت ورقة في إيدها.
— أنا بنته.
وأشارت للراجل جنبها.
— وده أخويا.
دخلت من غير ما أستأذنها.
وأول ما شافت الحقيبة قالت:
— واضح إن المحامي سبقنا.
بصيت لها.
قالت:
— إحنا جايين نقولك حاجة واحدة.
قربت مني.
— الجوازة دي مش هتكمل أسبوع في المحكمة.
قلت:
— هو مات أصلًا.
ردت:
— إحنا مش بنتكلم عن الجواز.
بصت للحقيبة.
— بنتكلم عن الميراث.
وبعدين قالت جملة خلتني أفهم إن الـ30 يوم اللي جايين مش هيعدوا بسهولة:
— لو أبويا كتب لك كل اللي المحامي بيقوله…
إحنا هنثبت إنه ماكانش في وعيه لما اتجوزك.
يتبع




