
البيت ده!
الملف كان فيه أوراق بتثبت إن فيه رهن وقرض أولاني بـ 350 ألف، وبعده قرض تاني وفوائد، لحد ما المبلغ وصل لأكتر من 780 ألف جنيه.. والبيت ممتلك باسم أحمد ومحطوط ضمان للرهن بتوقيع مزور!
المحامي قال بصرامة:
— قدامكم مهلة 5 أيام للتسوية، وإلا هنبدأ في إجراءات التمكين والحجز!
مالك طلع يجري من الأوضة ومسك في ديل فستان أمه:
— ماما.. هما هيطردونا من البيت؟
أحمد غمض عينه بوجع رهيب. تلات سنين شقا وغربة وعرق في عز الحر، فاكر إنه بيبني مستقبل لعياله، وكتشف إن أمه وأخوه بيضيعوا شقاه وبيبيعوا البيت من وراه!
أول ما المحامي مشي، مصطفى فقد أعصابه وزعق لمريم:
— كل المصايب دي بسببك أنتِ! لو ما كنتيش قعدتي تتسحبي وتجمعي الأوراق دي ما كانش أحمد عرف حاجة!
وراح ضاربها بالقلم على وشها!
جنى بدأت تصرخ ومالك بيعيط.. أحمد ما حسش بنفسه، مسك مصطفى من رقابته ورزعه في الحيطة بغل:
— ورحمة أبويا.. لو إيدك اترفعت عليها تاني هسجنك وأرميك ورا الشمس!
الحاجة صفية صرخت:
— ده أخوك يا أحمد!
— وأولادي دول من دمي برضه! واللا هما ما يلزموكيش عشان سبتيهم يجوعوا؟!
تاني يوم الصبح، كانت الحاجة صفية لفت على جيران الشارع كلهم وتقول إن مريم سرقت الفلوس وضحكت على أحمد وقومت الولد على أمه. وقبل الضهر، جمع من القرايب كبار العيلة جوم البيت عشان “يحلوا المشكلة ويلموا الدور”.
وفجأة.. الباب اتفتح ودخلت بنت شابة شايلة طفل على إيدها، دخلت وسط الصالة ورمت ملف كامل على الترابيزة وشاورت على مصطفى:
— اتفضلوا.. دي ورقة إثبات النسب، وإيصالات المصاريف، ورسايل أمك وهي بتتوعد لي وتقول لي إن أخوك هيفضل يبعت فلوس من السفر عشان يصرف عليا وعلى ابنها!
الحاجة صفية اتسمرت مكانها ووشها جاب ألوان.
البنت كملت بثقة:
— ولو عايزين تعرفوا فلوس أحمد كانت بتروح فين بالضبط وعلى مين.. أنا جايبة معايا بلاوي بالدليل!
مصطفى جرى يلحق الملف ويخطفه، بس أحمد كان أسرع منه ومسكه.. وأول ما فتح أول صفحة، عرف إن القاع لسه بعيد، وإن الكارثة الحقيقية يلا هتبدأ!
PARTE 3
أحمد صوابعه كانت بتترعش وهو بيقلب الأوراق. الصفحة الأولانية ما كانتش مجرد وصلات، دي كانت عقود تنازل وبيع وشراء!
البنت الشابة قربت وقالت بثبات وصوت مسموع للكل:
— أنا اسمي نورهان. اتجوزت مصطفى عرفي من سنتين لما ضحك عليا وقال لي إنه صاحب معرض عربيات. ولما حملت منه، أمك الحاجة صفية جات لي بنفسها وهددتني بمسح بكرامتي الأرض لو فتحت بقي، وقالت لي: “ابني مش هيلبس عيل، بس عشان ما نظلمكيش، مصاريفك وشقتك هتوصلك كل شهر أول بأول من الفلوس اللي بتيجي من الخليج”!
عم أحمد الكبير، الحاج متولي، وقف مصدوم وبص للحاجة صفية:
— الكلام ده صح يا أم أحمد؟! أنتم بتصرفوا شقا الراجل المتغرب على الجواز العرفي والمصايب دي؟!
الحاجة صفية حاولت تصرخ وتعمل نفسها تعبانة:
— الحقني يا متولي.. البت دي جاية تتبلى علينا وعايزة تخرب بيت ابني!
نورهان ضحكت بسخرية وطلعت كارت ميموري صغيّر ورمته على الترابيزة:
التسجيلات كاملة هنا.. وبص يا أحمد في الصفحة التانية من الملف عشان تشوف الكارثة الأكبر!
أحمد قلب الصفحة.. عينيه اتسعت وشعره وقف.
عقد بيع ابتدائي لورشة ومخزن أبوه الله يرحمه، وعقد تاني مبايعة لقطعة الأرض اللي أصلها ملك مريم بتوقيع مزور! مصطفى ما اكتفاش إنه ياخد الفلوس اللي بتتبعت شهر بشهر، ده أخد توكيل عام كان أحمد عامله لأمه زمان عشان يخلص إثباتات وأوراق حكومية، واستغل التوكيل ده إنه يرهن البيت ويكتب الأرض والورشة باسمه، وبعدها ينزل بيهم في سوق المراهنات والقمار الإلكتروني عشان يسدد ديون الشيكات اللي عليه!
مصطفى صرخ واندفع عشان ياخد الأوراق من إيد أحمد:
— دي أرضنا كلنا! أنت فاكر نفسك هتاخد كل حاجة لوحدك عشان متغرب؟! أنا ليّا حق في البيت ده وفي الأرض دي!
أحمد مسكه من ياقة قميصه وضربه بقبضة إيده في وشه، ضربة هزت الصالة كلها ومصطفى وقع على الأرض ودمه سال من مناخيره.
الحاجة صفية صرخت وجريت على مصطفى:
— يا ملهوف! هتموت أخوك عشان حتة ورقة؟! ربنا يهد بيتك زي ما هديت عيلتك!
أحمد بص لأمه والدموع لأول مرة تلمع في عينيه، بس ما كانتش دموع ضعف.. كانت دموع قهر وندم:
— أنتِ مش أم.. أنتِ كنتِ العثّة اللي بتاكل في شقايا وسندي! أنا كنت بشتغل تحت الشمس وفي الغربة وفي عز الثلج وكنت فاكر إن ليّا ظهر بيحميني وعيلة بتدعي لي.. أتاريكي بتبني بيت ابنك الصايع من دم قلبي وعرق سنيني، وسايبة عيالي بياكلوا العيش الحاف!
الحاجة صفية بصلته بغل وقالت:
— أنت طول عمرك معاك وشبعان، إنما أخوك كان غلبان ومحتاج! أيوة أخدت فلوسك وأعطيتها له، ولو رجع البيع هعملها تاني! أنت مش ابني لو ما سددتش الديون دي وطلعت أخوك من المصيبة!
أحمد بص لها بمنتهى الجمود وقال كلمة واحدة:
— يبقى أنا مش ابنك من النهاردة.
لتلت أيام الجايين، أحمد ما نامش ساعة واحدة.
أول حاجة عملها، أخد مريم وعياله وراحوا على شقة مفروشة نظيفة في وسط البلد. جاب لهم أكل وهدوم جديدة، وقعد قدام مريم ومسك إيدها وباسها قدام الولاد:
— سامحيني يا مريم.. أنا كنت أعمى والغربة كانت عامية عيني عن الحق. أنتِ صنتيني وصنتِ عيالي وأنا ظلمتك.
مريم بصلته وقالت له:
— أنا مش زعلانة منك يا أحمد، أنا زعلانة عليك وعلى السنين اللي ضاعت من عمرك وأنت فاكر إن اللي من دمك بيحبوك.
أحمد ما ضيعش وقت؛ نزل مع محامي كبير ورفع قضايا مستعجلة:
* قضية تزوير وتبديد ضد مصطفى والحاجة صفية بخصوص التوكيل واستخدامه في غير موضعه.
* بلاغ رسمي في النيابة بإثبات حالة الرهن المزور على البيت والأرض، واستدعاء المحامي إبراهيم والبنك الممول.
* قضية إثبات نسب وتأدية نفقة لنورهان وابنها.
لما مصطفى عرف إن الشرطة بتدور عليه في قضايا تزوير وشيكات بدون رصيد، حاول يهرب ويسافر برة القاهرة، بس الاتصالات والتحريات جابته، واتقبض عليه في شقة في الإسكندرية وهو بيحاول يبيع سبيكة دهب كان سرقها من الحاجة صفية!
في يوم المحاكمة، الحاجة صفية جات القاعة وهي ماشية بالعكاز وبتعيط، حاولت تقرب من أحمد وتتمسح فيه:




