روايات وقصص

رواية ليلي وعمران الجزء 5

استقلها، وما زالت عيناه معلقتين بمحمود.
قاد علي السيارة بهدوء، بينما ظل محمود يتابعه بعينيه حتى ابتعدت السيارة عن المكان.بقلم سيلا وليد
قال محمود بعد لحظات، وكأنه يحدث نفسه:
_الراجل ده غريب… حاسس إن وشه مألوف. شوفته قبل كده.
رد محمد بضيق:
_هتشوفه فين بس؟ وبعدين راجل لسانه زفر.
داخل السيارة، ظل علي صامتًا للحظات، يتابع الطريق أمامه، قبل أن يقول:
_مش حاسس إنك زودتها شوية؟
أسند عمران رأسه إلى المقعد، وأطلق زفرة طويلة.
_الراجل ده مضايقني أوي.
صمت لحظة، ثم قال بنبرة لم يستطع إخفاء غضبها:
_معرفش إزاي أب بيقسى على بنته بالشكل ده… حتى لو غلطت.
نظر إليه علي للحظات قبل أن يقول:
_الناس دي يا عمران، شرفها فوق كل حاجة.
استدار عمران إليه، وفي عينيه اعتراض واضح.
_وإحنا بنبيع شرفنا يا علي؟
ثم أعاد نظره إلى الطريق.
_وبعدين دي متربية وسطهم، وأكيد هما عارفين أخلاقها أكتر مني ومنك.
تنهد علي.
_يا عمران، مجرد إنها خرجت معاك… بالنسبة لهم دي لوحدها كفاية. إنت وهي كنتوا بتتقابلوا، وهما مش هيشوفوا الموضوع زي ما إنت شايفه.
لم يرد عمران.
ظل ينظر أمامه، لكن كلمات علي ظلت تدور في رأسه.
خرجت معاه…
وفجأة، دون مقدمات، ظهرت صورتها أمام عينيه.. ضحكتها…طريقتها وهي تتحدث معه…حتى غضبها المحبب
وصوتها وهي تنادي اسمه.. شيء دافئ تسلل إلى صدره.. حتى تمنى أن تكون بين ذراعيه الان
ارتفعت زاوية فمه بابتسامة ، دون يشعر بها، حتى هدأ داخله لو قليلا
كانت مجرد صورتها في خياله كفيلة بأن تمحو كل الغضب الذي كان يملأه منذ دقائق.. نطق قلبه قبل شفتيه اسمها هامس
“ليلى” حتى اسمها وحده كان يترك في قلبه ذلك الشعور الغريب…
شعورًا يشبه الطمأنينة.
تنفس بعمق، واتسعت ابتسامته دون إرادة منه، ولمعت عيناه بسعادة صافية، كأن قلبه تذكر فجأة أنه يحبها… وأن وجودها في حياته، رغم كل ما يحيط بهما من مشاكل، كان أجمل شيء حدث له.
راقبه علي من طرف عينه، ثم ابتسم وهز رأسه.
_يا عيني على الحب!
انتبه عمران إليه، فعاد وجهه سريعًا إلى جمود مصطنع.
_إيه؟
ضحك علي.
_بس تعرف؟ أنا مبسوط لك يا صاحبي.
ظل عمران ينظر إليه للحظات، ثم هز رأسه وهو يحاول إخفاء ابتسامته.
_مجرب إنت… مش عايزين نتكلم.
ضحك علي بصوت أعلى.
أما عمران فعاد ببصره إلى الطريق، لكن هذه المرة لم يستطع أن يمنع ابتسامته.
كان يشعر بسعادة غريبة.. سعادة مصدرها فتاة  كطفلة دخلت حياته كقطرة مياه بصحراء
فتاة استطاعت، دون أن تفعل شيئًا، أن تجعل قلب رجل مثله… يبتسم.

بمنزل فريد، قبل ساعات…
دلفت ثريا إلى المنزل بخطوات متأنية، وهي تجول بعينيها في المكان باشمئزاز واضح
كانت وفاء تقف بالقرب من الباب، وما إن علمت بهويتها حتى أسرعت تستقبلها، محاولةً أن تخفي ارتباكها.
_أهلًا يا هانم…
لم ترد ثريا سوى بنظرة باردة.
تقدمت إلى الداخل، ثم توقفت أمام أحد المقاعد. أخرجت من حقيبتها محرمة ورقية، ومسحت بها طرف المقعد قبل أن تجلس، وكأنها تخشى أن تلامس ثيابها شيئًا من المكان.
تطلعت وفاء إليها للحظات، وقد انقبض قلبها من تلك الإهانة الصامتة، بينما كانت ليلى تقف خلف والدتها، تراقب المشهد في صمت، وقد شعرت بالخجل من أجل أمها.
قالت وفاء بهدوء حاولت التشبث به:
_البيت نضيف يا هانم.
رفعت ثريا عينيها إليها، وارتسمت على شفتيها ابتسامة ساخرة.
_واضح…
ثم جلست، وأسندت ظهرها إلى المقعد، ووضعت ساقًا فوق الأخرى دون أدنى اكتراث بما تسببه كلمتها من ألم.
_ أنا مش مطولة علشان النضافة ولا غيرها… أنا جاية أقول كلمتين لبنتك.
انتقلت عيناها إلى ليلى مباشرة.
تجمدت ليلى في مكانها.. من نظرات ثريا
كانت تعرف تلك النظرة…، حتى نطقت
ثريا ببرود:
_تاخدي كام… وتبعدي عن ابني؟
سقط السؤال على ليلى كصفعة.
شهقت بصمت، وشعرت بقبضة قاسية تعتصر قلبها حتى كادت أن تسلبها أنفاسها. شحب وجهها، وارتجفت شفتاها، قبل أن تنساب دموعها رغماً عنها.
رفعت يدها سريعًا تمسحها، لكنها لم تستطع إيقافها.
كانت تبكي لأنها أُهينت… ولأن المرأة أمامها اختزلت حبها كله في رقم.
راقبتها ثريا ببرود، ثم قالت:
_اسمعيني كويس… وبلاش لؤم الفلاحين ودموع التماسيح دي. أنا مش موافقة عليكي لابني، ومش هسمح إن واحدة زيك تدخل عيلتي.
رفعت وفاء رأسها.
للمرة الأولى اختفى الارتباك من عينيها، وحل مكانه غضب صامت.
_ولا إحنا موافقين على ابنك يا هانم.
اتسعت عينا ثريا قليلًا.
فتابعت وفاء، وقد بدأت نبرتها تزداد قوة:
_ولولا إنك ضيفتنا، وإن أنا عاملة حساب لعمران في الأول والآخر، كنتي عرفتي أنا ممكن أرد عليكي إزاي.
ابتسمت ثريا بسخرية.
_عمران؟ بتقولي اسمه كده عادي؟
ثم التفتت إلى ليلى بنظرة احتقار.
_ده أنتِ خليتي بنتك تلف عليه لحد ما وقعته. ومتأكدة كمان إنها هي اللي استأجرت حد يصورهم ويبعت الصور لأبوها علشان تحط ابني قدام الأمر الواقع وتتصعب عليه.
ارتعشت أصابع ليلى.
لم تحتمل المزيد.
تقدمت خطوة، والدموع تملأ عينيها، ورغم ذلك صوتها خرج ثابتًا على عكس قلبها:
_كفاية بقى!
ــــــــــــــــــــــــــــــ
مسحت دموعها بكف مرتجف، ثم رفعت عينيها إلى ثريا مباشرة.
_أنا مطلبتش من ابنك يتجوزني… ولا جريت وراه، ولا عملت أي حاجة من اللي حضرتك بتقولي عليها.
ابتلعت غصتها، وأردفت:
_وعلى فكرة… هو اللي اتجوزني وأنا أصلًا ماكنتش دارية بحاجة.
حدقت ثريا بها بصدمة.
اقتربت ليلى خطوة أخرى، وكأنها تستمد قوتها من آخر ذرة كرامة بداخلها.
_يبقى روحي اسأليه… بدل ما تيجي هنا وتتهميني بحاجة أنا ماليش ذنب فيها.
شهقت وفاء بخفوت، بينما ظلت ثريا تحدق في ليلى للحظات، وكأنها لم تتوقع أن تملك تلك الفتاة الجرأة لترد عليها.
ثم قالت ببرود قاتل:
_مكننيش بتبكي دلوقتي، مش بقول دموع تماسيح

_شرفتي يا هانم… وكلامنا مش معاكي، كلامنا مع ابنك لما ييجي.
قالتها وفاء بصوت هادئ، لكنه كان يحمل من الغضب ما يكفي لإخفاء ارتجافه.
نهضت ثريا من مقعدها ببطء، وعدّلت حقيبتها، ثم غرست عينيها في عيني وفاء بنظرة باردة…. بقلم سيلا وليد
_لو بنتك مبعدتش عن ابني بالذوق… أنا هبعدها بالعافية.
توقفت لحظة، ثم التفتت إلى ليلى.
كانت المسكينة واقفة مكانها، وجهها غارق بالدموع، لا تعرف كيف تدافع عن نفسها أمام اتهامات ثريا
اقتربت ثريا منها خطوة، وقالت بلهجة قاسية:
_خلي عندك كرامة وابعدي عنه.
تجمدت ليلى، بينما تابعت ثريا دون رحمة:
_وعايزة أقولك حاجة قبل ما أمشي… عمران له علاقات كتيرة.
ارتعشت شفتا ليلى.
_فما تتوهميش إنه بيحبك وبيموت فيكي.
اقتربت ثريا أكثر، وخفضت صوتها، وكأنها تتعمد أن تجعل كل كلمة تنغرس في قلبها:
_ومتفكريش إنك أول واحدة يقول لها كلام حلو… عمران كان مع غيرك كده.
توقفت لحظة، ثم أضافت ببرود:
_انت بس حاجة جديدة عليه، وعايز يدوقها، بس هيمل صدقيني، فوقي لنفسك علشان مترجعيش تعيطي
قالتها ثم استدارت وغادرت.
خرجت دون كلمة أخرى، تاركة خلفها صمتًا ثقيلًا… وكأنها لم تترك كلمات، بل تركت س\كينًا مغروسًا في قلب فتاة لم تعرف كيف تحمي نفسها من قسوتها.
ما إن أُغلق الباب خلفها حتى ارتجف جسد ليلى بعنف.
حاولت أن تتنفس، لكن أنفاسها خرجت متقطعة، وانهارت دموعها أكثر، حتى لم تعد ترى أمامها بوضوح.
اقتربت منها وفاء سريعًا، واحتضنتها بقوة.
_ليلى… اهدي يا حبيبتي،  اهدي. ما تسمعيش كلامها.
لكن ليلى لم تجب.. ظلت تحدق في الفراغ بعينين زائغتين، وكأن الكلمات الأخيرة ما زالت تتردد داخل رأسها.
“عمران له علاقات كتيرة…”
وضعت كفها على فمها، محاولة كتم شهقة خرجت ممزقة.
_ليلى… سمعاني؟
لم تجب.
فجأة ابتعدت عن حضن والدتها، وتحركت بخطوات متعثرة نحو غرفتها.
_ليلى!
أغلقت الباب خلفها.
ركضت وفاء خلفها، وأخذت تطرق الباب بقوة.
_ليلى افتحي الباب يا حبيبتي!
لا رد.
_ليلى… افتحي لماما، علشان خاطري!
في الداخل، انزلقت ليلى ببطء إلى الأرض خلف الباب.
ضمت ركبتيها إلى صدرها، ولفت ذراعيها حول جسدها
انفجرت في البكاء.
_آآآآه…
خرجت شهقتها موجوعة، ثم تتابعت شهقاتها بلا توقف.
كانت تبكي بحرقة، حتى تحولت شهقاتها إلى نحيب مرتفع مزق قلب وفاء خلف الباب.
وضعت وفاء كفها على فمها، وامتلأت عيناها بالدموع.
_يا بنتي… افتحيلي، حبيبتي يابنتي
لكن لم يصلها سوى صوت بكاء ابنتها.
ارتجفت يداها، فأخرجت هاتفها بسرعة واتصلت بفريد.
ما إن أجاب حتى خرج صوتها مختنقًا:
_الحقني يا فريد… بسرعة!

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى