
الكتابة
ما إن خرجت من البيت، ركبت أول تاكسي قابلني، وقعدت في الكرسي الخلفي وأنا ببص من الشباك.
الغريب إني ما كنتش حاسة بانتصار.
كنت حاسة بحاجة أغرب…
راحة.
لأول مرة من سنتين، السر اللي شالته لوحدي خرج من إيدي وبقى قدام صاحبه الحقيقي.
لكن اللي ما كنتش أعرفه إن اللي حصل جوه البيت كان لسه بيبدأ.
إيفان فضل واقف مكانه، ماسك التقرير، وعينيه مثبتة على السطور.
السكرتيرة قربت منه وهي متوترة:
— إيفان، في إيه؟ إنت خوفتني!
رفع عينه لها وقال:
— ردي عليا… الطفل اللي في بطنك ابن مين؟
اتجمدت مكانها.
— إنت بتسألني السؤال ده بجد؟
— أيوه… وبصراحة المرة دي مش هقبل أي كدبة.
ضحكت بتوتر:
— إنت اتجننت؟ ده ابنك!
رفع التقرير قدامها.
— يبقى تفسريلي ده إزاي؟
بصت للورقة.
وبمجرد ما شافت نتيجة التحليل، اتغير وشها.
حاولت تاخد التقرير من إيده، لكنه سحبه بسرعة.
— لأ… ما تلمسيهوش.
قالتها وهي بتبلع ريقها:
— إيفان، التحاليل دي من سنتين… ممكن تكون غلط.
رد عليها:
— الدكتور نفسه قال لي إن المشكلة عندي شديدة، وإن الحمل الطبيعي شبه مستحيل.
سكت لحظة، وبعدين قرب منها:
— وإنتِ عرفتي الكلام ده منين؟
ما ردتش.
— عرفتي منين يا ليلى؟
لأول مرة، بدأ الخوف يظهر في عينيها.
— أنا… أنا ما أعرفش.
صرخ:
— ما تعرفيش؟!
وقعت عينيه على فاتورة متابعة الحمل.
مد إيده وخدها.
قرأ اسم الطبيب.
وبعدين سألها:
— إنتِ بتتابعي عند دكتور معين؟
هزت راسها.
— آه.
— من إمتى؟
— من أول ما عرفت إني حامل.
قلب الفاتورة.
ولقى رقم هاتف العيادة.
في اللحظة دي، رن موبايله.
كان المحامي.
رد بعصبية:
— أيوه؟
جاله صوت المحامي:
— أستاذ إيفان، محتاج حضرتك تيجي الشركة فورًا. في موضوع مهم جدًا.
— مش فاضي.
— الموضوع يخص التقرير الطبي اللي في إيد حضرتك.
سكت إيفان.
— إنت عرفت منين؟
المحامي رد بهدوء:
— لأن مرات حضرتك بعتتلي نسخة منه من سنتين، وطلبت مني أحفظها.
إيفان اتصدم.
— مراتي؟
— أيوه.
— ليه؟
المحامي سكت ثواني، ثم قال:
— قالت لي وقتها إنها خايفة إن حضرتك تخبي عنها الحقيقة.
إيفان قعد على الكنبة.
وبص للباب اللي خرجت منه مراته.
وفجأة افتكر كل حاجة.
افتكر يوم ظهور التحاليل.
افتكر وشه وهو راجع البيت.
افتكر إنه منعها من الكلام.
وافتكر جملة قالتها له وقتها:
“إيفان، مهما كانت النتيجة… إحنا لازم نواجهها سوا.”
وهو رد عليها:
“أنا مش ناقص وجع دماغ.”
ساعتها فقط فهم.
هي ما كانتش بتعاقبه.
هي كانت بتحميه من الحقيقة اللي هو هرب منها.
أما ليلى…
فما كانتش بتبكي.
كانت واقفة قدام المراية، حاطة إيدها على بطنها، وعينيها مليانة رعب.
لأنها كانت عارفة الحقيقة.
والأصعب…
إن إيفان ما كانش الشخص الوحيد اللي ممكن يكشفها.
رن موبايلها.
رقم غريب.
ردت بصوت مرتعش:
— ألو؟
جالها صوت رجل:
— التقرير ظهر؟
اتسعت عينيها.
— إنت مين؟
ضحك الرجل بهدوء:
— أنا الشخص الوحيد اللي يقدر يقول لإيفان الطفل ده ابن مين فعلًا.
سكتت.
— وإياك تفكري إنك تقدري تهربي.
قالت:
— عايز إيه؟
رد:
— نص الشركة.
شهقت:
— إنت مجنون!
— لا… أنا بس عارف السر اللي إنتِ وإيفان لسه ما تعرفوش.
— سر إيه؟
قال جملته الأخيرة ببطء:
— التحليل اللي في إيده… مش أول تقرير طبي اتعمل لإيفان.
وسكت.
ثم أضاف:
— في تقرير تاني اتعمل بعده بسنة.
تجمدت ليلى.
— تقرير إيه؟
— تقرير بيقول إن إيفان… بقى أب فعلًا.
ثم أغلق الهاتف.
وفي نفس اللحظة، كان إيفان يفتح باب مكتب الطبيب القديم…
والطبيب أول ما شافه قال:
— أنا كنت مستني اليوم ده من زمان.
إيفان بص له بدهشة:
— مستني إيه؟
الدكتور أخرج ملفًا من درج مكتبه.
وحطه قدامه.
— الحقيقة الكاملة عن تحاليلك.
فتح إيفان الملف…
فتحت عينه على آخر صفحة.
وكان مكتوب فيها:
“نتيجة الفحص الأخير: تحسن ملحوظ… واحتمالية الإنجاب الطبيعي أصبحت قائمة.”
رفع إيفان رأسه ببطء.
— التقرير ده… تاريخه إمتى؟
الدكتور رد:
— من سنة ونص.
اتسعت عينا إيفان.
لأن السنة ونص دي كانت قبل حمل ليلى مباشرة.
لكن قبل ما يستوعب الصدمة…
رن موبايله.
رسالة من رقم مجهول.
فتحها.
كانت صورة…
صورة لزوجته وهي خارجة من عيادة الطبيب.
ومكتوب تحتها:
“لو عايز تعرف ابن مين… اسألها هي كانت بتقابل مين قبل ما تقول لك إنها حامل.”
رفع إيفان عينه عن الهاتف.
ولأول مرة…
بدأ يشك إن مراته القديمة مش هي الوحيدة اللي كانت بتخبي سر.
أما أنا، فكنت وصلت لشقة أختي.
قفلت الباب ورايا.
وحطيت الشنطة على الأرض.
وبدأت أعيط…
مش عليه.
ولا على البيت.
كنت بعيط على السنتين اللي عشتهم وأنا فاكرة إن العيب فيا.
لكن قبل ما أمسح دموعي، موبايل أختي رن.
ردت.
وبعد ثواني بصتلي بوش مصدوم.
وقالت:
— إنتِ عارفة إن جوزك بيدور عليكي؟
قلت:
— يدور عليا ليه؟
مدتلي الموبايل.
ابكان فيه رسالة من إيفان.
رسالة واحدة بس:
“ارجعي… لأن التحليل اللي سبتيهولي مش أخطر حاجة في الملف.”
وقتها قلبي دق بسرعة.
لأنّي أنا شخصيًا…
ما كنتش عارفة إن فيه ملف تاني أصلًا.




