
رجعت بيت أهلي.. وفي الأرياف، الأخبار بتجري أسرع من النار في القش! خلال ساعات كانت البلد كلها عارفة؛ بعضهم قال: “مصطفى اتجوز واحدة كبيرة”، وبعضهم قال بسخرية: “مصطفى اتجوز أمه!”.
والله العظيم ربنا رد لي حقي على ألسنة الناس قبل ما يرده لقلبي! شفت نظراتهم له من فوق لتحت، وسمعت همساتهم القاسية: “إزاي ياخدها على دي؟ الست دي مش بتستحي! واحدة كبيرة تتجوز واحد قد عيالها!”. وعرفت إن عندها أولاد كبار، وإنها ما بقتش تخرج من بيتها من شدة الفضيحة.
أمي وقفت جنبي زي السد اللي ما بيهتزش، وقالت: ـ “هتتطلقي وما أنتيش راجعة لراجل خاين! بنتي خدمته وخدمت أهله وسكتنا عشان بتحبه، بس الجوازة دي هي النهاية!”
وبعدين مسكت التليفون وكلمته وقالت له: ـ “خلي عيالك عندك وخلي مراتك الجديدة تربيهم! بنتي هتتجوز أحسن منك وفي مليون راجل يتمناها!”.. وراحت قافلة الخط في وشهم.
أما نفسيتي فكانت كأنها محطوطة تحت شريط قطر ما بيقفش.. بيت أهلي بقى زي المزار؛ ناس تشمت، ناس تواسي، وناس تسأل: “عرفها إزاي؟ وليه اتجوزها؟”.. قعدت هناك ومش عارفة قد إيه مر من الوقت؛ أسبوع ولا أسبوعين؟ لحد ما جيه اليوم اللي دخلت فيه “سارة” سلفتي التانية، زوجة الأخ الأصغر.. يا قلبي عليها! كانت الوحيدة اللي أحبتني بصدق.
قعدت قدامي وعينيها مليانة خوف عليّ قبل ما تملى الكلام، وقالت بصوت هادي وجعه أقسى من الصراخ: ـ “اسمعي…”
قالت لي سارة وعينيها مليانة وجع: ـ “والله العظيم أنا عارفة إن اللي حصلك ده غلط، ومافيش حاجة في الدنيا هتخفف اللي في قلبك.. بس في حاجة لازم تعرفيها!”
سكتت لحظة، وبعدين أكملت كلامها: ـ “أولادك.. مرام بتعاملهم أسوأ معاملة من يوم ما مشيتي! بتخلي ولادها يتنمروا عليهم، وتستغل إن أنا مش موجودة وتعمل فيهم اللي يكسر القلب!”
حسيت ساعتها كأن قلبي وقع في رجلي! كملت سارة وهي بتدير عينها للأرض: ـ “وكمان.. جاب هاجر مرات جوزك البيت بتاعك!”
صرخت من أعماق قلبي: ـ “بيتي?!”
قالت وهي بتشد على إيدي كأنها بتنتشلني من بير مالوش قاع: ـ “أيوه.. بيتك! بتحاول تقعدها وسط عيالك وتقول لهم دي أمكم الجديدة!” وتابعت بنبرة مليانة حنية وصدق: ـ “أنا معاكي في أي قرار تاخديه.. بس خلي بالك، اللي هيبقى لك في الدنيا دي دول عيالك وبس.”
من اللحظة دي.. ما بقيتش شايفه نفسي، ما بقيتش شايفه أي حاجة في العالم ده غير وشوش أطفالي! بقيت أمشي وأنا شايلأهم في صدري قبل ما أشيلهم في إيدي. قعدت أفكر: أسيب نفسي ولا أسيبهم؟ أي طريق فيه نجاتي ما بيمديش إلا من خلالهم! صليت وبكيت ودعيت، وقلت من قاع قلبي: “يا رب.. مفيش حد فاهمني غيرك.”
وبعد أيام.. دخلت على أبويا بهدوء غريب ما عرفتش جاني منين، وقلت له: ـ “أنا راجعة لجوزي.”
صرخت أمي بذهول: ـ “مستحييييل!”
بصيت لها بثبات عمري ما حسيت بيه في نفسي قبل كده، وقلت لها: ـ “راجعة عشان عيالي.. مش عشانه! ومن النهاردة، أنا هحارب عشان نفسي وعشان ولادي وبس.”
رجعت.. دخلت البيت فلقيت الخراب في كل حاجة؛ في الحيطان، في الوشوش، وفي الروح! أطفالي كانوا زي الأيتام؛ بنتي شعرها معكوك، هدومهم مبهدلة، والبيت مقلوب. ركضوا عليا وهما بيصرخوا: ـ “ماما ما تسيبناش تاني!”
ضمتهم لصدري وقلت لهم: ـ “أنا عمري ما هسيبكم أبداً.”
نضفت البيت، غسلتهم، سرحت شعر بنتي، وضحكنا شوية.. كأن الضحك ده كان محاولة يائسة عشان نرمم بيه اللي اتهدم.
وهو؟ كان واقف يراقب، مستني إني أتكلم، وأنا بتعامل كأني مش شايفاه أصلاً! أكلت مع أطفالي، ذاكرت لهم، ونمّتهم.. وبعدين دخل ورايا الأوضة وقال: ـ “مش هنتكلم؟”
قلت ببرود عمري ما عرفته في نفسي قبل كده: ـ “نتكلم عن إيه؟ روح سخن أكلك من المطبخ!”
من اللحظة دي.. انتهى مصطفى! وانتهت معاه الست القديمة اللي كنتها. وبدأت حياتي من جديد.
وفي رأسي.. اتفتحت فجأة نافذة نور، كأن أوضة مطفية من سنين اتنورت دفعة واحدة! “ليه ما أرجعش أكمل تعليمي؟ أنا كنت شاطرة ومجتهدة، وسبت المدرسة عشان الجواز وعشان كلام الناس والبلد!”




